أخوة ثلاثة ، كبيرهم في الرابعة
والثمانين ، ثريّ يحب الحياة ولا يألو جهداً في ترفيه نفسه ، لم يُرزق ذرية ، فهو
وزوجته عصفوران أو قل طيْران ينتقلان هنا وهناك يستمتعان بمباهج الحياة .
واخوه الأوسط في الثامنة والستين من
عمره له ثلاث بنات ليس غير . يعيش وأسرته حياة طيبة ، ولا يقصّرأخوه الكبير في عونه
ومتابعة أموره . أما الأخ الأصغر فقد أتم الرابعة والستين رزقه الله البنين
والبنات ، وكفاه مؤونة الحياة فهو تاجر ناجح .
كان الرجلان ينتظران موت أخيهما الكبير
حالمَيْن بثروته التي ينتظران أن تكون لهما بين آونة وأخرى ، ويعقدان على ذلك
الآمال الكِبار .
وتمضي الأيام ثقيلة على نفسَيْهما
المتربصَتَين وهما يريان أخاهما الكبير " جمالاً " صحيح الجسم منتصب القامة لا يبدو
عليه علائم الشيخوخة كما يتمنّيان ويرسمان .
وفي صباح يوم حزين يشاء القدر أن يسبق
الأخ الأوسط أخويه إلى الدار الآخرة ، ويصبح الوارث موروثاً ! إن بناته الثلاث يرثن
ثلثي تركته ، وللزوجة الثمن ، ولأخويه ما يبقى من المال ( ربعه ) . ونصيب الواحد
منهما خمسة عشر ألفاً . يتخلى الكبير لبنات أخيه عنها ، فهو غني لا يحتاج ، وبنات
أخيه بناته ، ولو كنّ فقيرات لوجب عليه – كما يعتقد وهذا أمر صحيح – أن يتكفل بهنّ
وأن يصرف عليهنّ . هذا ما يفعله المسلم الواعي والمؤمن العاقل .
ويعلن الاصغر أنه لن يفعل فعل أخيه ،
ولن يفرّط في حقه ، فهو أولى به .
وترسل أم البنات إليه أن يأتسيَ بأخيه
، فهؤلاء رحِمِه وبعض لحمه ودمه ، فيأبى الاستجابة لها ، فتتشفع ببعض الأصدقاء ،
فيعرض عنهم . ويسمعهم ما لا ينبغي .... . تعرض عليه أن يكتفي بخمسة آلاف ،
ولـْيترك الباقي لبنات أخيه ، يحمل هذا العرضَ بعض الأهل والأصدقاء ، ويقوم هؤلاء
بوضع المبلغ على مائدته ويذكّره الشفعاء بوشائج القربى ، ويتشفعون إليه بالمروءة
وصلة الرّحِم ، ويستعطفونه على بنات أخيه ، فلا يُكلّم أحداً منهم إنما يمسك
بسمّاعة الهاتف فما إن تردّ امرأة اخيه حتى يقول لها محتدّاً : إنه لن يترك لها
ولبناتها شيئاً ولو كان ً زهيداً ، ملعقة في المطبخ ، أو علبة كبريت ، أو كأساً
فارغة ، أو ... وارتخت قبضته ، وسقطت سمّاعة الهاتف من يده ، ولحق بأخيه .