د.عثمان قدري مكانسي

othman47@hotmail.com

لا أدري لم تذكرت تلك الليلة التي مضى عليها في أخدود الزمان قريب الأربعين عاماً وكنا معشر الأربعة في غرفة واحدة نتدارس مقرر النحو في ( صومعة ) أخينا أحمد الخراط قريب الثانية عشرة ليلاً !!

كنا عائدين مساء من الجامعة وقد اقترب امتحان مقرر النحو ، فقررنا أن نتذاكر بعض المسائل في (مغني اللبيب ) لابن هشام المصري رحمه الله تعالى، وتوجهنا إلى بيت أهل أحمد في حي السفاحية في حلب أمام انتهاء ( خط الترام ) .. لم يكن هذا من عادتنا، لكنه دعانا إلى الغرفة العلوية المبنية على سطح البناء فوق الدور الرابع ، فلا يرقى إلينا أحد سوى أخيه الذي أمدّنا ببعض ( السندويتشات ) وإبريق الشاي، فنتنسم روائح أمسية حزيرانية  يونيو – في ليلة هادئة ممتعة النسمات، يتخللها بين حين وآخر صوت مقص عربة الترام المميَّز حين تغيّر مسارها عائدة من حيث أتت إلى حي الجميلية على الطرف الآخر الغربيّ.

قرأنا معاني بعض الحروف – في الجزء الثاني من الكتاب – وإعرابها ، وطوّفنا على الجمل التي لها محل من الإعراب، ولم ننس أخواتها كذلك.

انتفض أحمد سريعاً قبيل الثانية عشرة ليلاً وانحدر مسرعاً إلى بيته أسفل الصومعة ليحمل صحناً كبيراً، وينزل به إلى الفوّال في البناء المحاذي قبل أن ينصرف إلى بيته فيضيع علينا عشاء فولي دسم اعتدنا عليه حين كنا نجتمع – وما أكثر ما اجتمعنا – فيكون صحن الفول خاتمة المطاف، وينصرف الأصدقاء كل إلى سبيله.

وعاد أحمد – كنت رئيساً لجمعية الفوّالين وهو نائبي في قيادتها حين كنا طلاباً جامعيين وكان الفول أكلتنا المفضلة لوجودها في رأس كل حي أو وسطه، وفي الزواريب ومداخل الأحياء الملتوية وفي الشوارع الرئيسية في حلب – واكتشفنا بعد أن كُتب علينا الطواف في العالم العربي أن هذا الانتشار الفولي أفقياً وطولاً وعرضاً موجود في كل مكان ممتد ومتشعب كالأوردة والشرايين.

عاد أحمد يحمل صحن الفول الممزوج بالطحينة وحمض الليمون، مشفوعاً بالبندورة والبصل، والرشاد وبعض قرون الفليفلة، وسبقته إلينا رائحته النفاذة ورائحة الخبز الطازج من الفرن القريب.

كنا – معشر العشاق الأربعة – نلتف حول المائدة ، في وصال محبب وشوق عارم للحبيب القادم. يسكن ثالثنا في حي ( الجُدَيدة )قريباً من الفوّال أبي عبده المشهور الذي لا يفرغ مطعمه من الزبائن أبداً وكان رحمه الله كريماً ( يصلح الصحن ) دائماً والمقصود بالتصليح أن عمّاله يمرون بين الزبائن يزيدون الفول والحمض في الصحون ما داموا منشرحين يلتهمون ما في الصحون التهاماً. وكثيراً ما كنا نشير على ثالثنا أبي زكوان – مازحين – أن يمدد أنبوباً بين بيته وبين مطعم الفوّال ليمده دائماَ بالفول الطازج مع صنبورين أحدهما للفول بالطحينة والآخر للفول بحمض دون طحينة.

أما رابعنا فهو الشاعر الجسري وحبيب القلب أبو البشر الذي عرفته في الصف الحادي عشر في ثانوية المأمون، ولعلّه كان أقلّنا ( تفوّلاً ).

انفصلت عن الثلاثة أقرأ مقاطع من كتاب ابن عصفور الأندلسي ( الممتع ) ويسميه بعضنا – المفقع – إلا أنه في الحقيقة - كاسمه - ممتع ومشوّق، يتناول فيه ابن عصفور مسائل الصرف بأسلوب ظريف متدرّج. وبدأ الثلاثة يقرؤون ( المفصّل ) لابن يعيش، إلا أن يحيى اضطر أن يتركهما حين أمراه أن يجلس إليهما، وكان قد أمسك بكتابه مستلقياً على كنبة قريبة إليهما، فلم يعجبهما ما فعل، فانتقل إليّ يدّعي أنه بحاجة إلى قراءة الممتع. واستلقى قريباً مني واضعاً الكتاب على صدره موحياً إليّ أنه يتابعني .. يا يحيى؛ ادن مني، قال أنا معك .. وبعد قليل سقط الكتاب فوق صدره، يا يحيى ؛ قال أنا أسمعك .. وانطلق الدم إلى معدته ينشطها على هضم الفول، ثم سمعت شخيره يتعالى شيئاً فشيئاً، وراح في سبات عميق.

حين أنشغل بأمر ما – وحدي - وأندمج فيه أنسى ما حولي، و أكاد لا أسمع أو أعي ما يجري، فانتباهي يتركز فيما أنا فيه . مرّت ساعة وأنا مستغرق في قراءة الممتع إلى أن شعرت بضيق لم أعرف مصدره أول الأمر، لكنّه شدّني وأخرجني مما أنا فيه ، لقد كان أبو زكوان وأحمد ينادياني مرة بعد مرة ، فلما انتبهت قالا لي : بصوت عال : لماذا لم تردّ علينا إلا بعد أن علت أصواتنا ؟! قلت : ما خطبكما ؟ قال أبو زكوان انظر ما يقرؤه أحمد ؟ إنه لا يدري ما يقول.

ودنوت منهما أسأل أحمد : ما الذي أشكل عليك ؟ .. كان يقرأ : وهذه الجملة في محل (الجَرْصَفةَِ) بدل أن يقرأها في محل ( الجرِّ صِفَةً ً ).

ابتسمت قائلاً : أيها (الإمام الجَرْصَفيّ ) خير لك أن تنام.

              


المراجع

odabasham.net

التصانيف

أدب  مجتمع   قصة