أشباح الليالي الظلماء / حميد الهجام

 

حميد الهجام

دس  يده تحت المقعد وسحب المقبض إلى أعلى فتداعى جسده إلى الخلف، ولم تلتقط عيناه سوى ظلال أرقام الساعة الإلكترونية. خمس دقائق تفصله عن منعطف آخر في حياته بعد أن ملّ الطريق الخطي الخالي من منعرجات اقتنع بضرورتها للتغلب على رتابة كادت تحوله إلى كتلة غباوة لطالما سخر من رؤيتها تتلبس الآخرين. كانت عيناه نصف مغمضتين, لكنه تمكن من رؤية نويرات أزهار الميموزا تتساقط متراقصة من على شجرة انتصبت أمام السيارة.

-طبيعي أن ينشب الضجر مخالبه في روحك.. نصيحتي إليك،  حاول أن تبتعد عن بيت العائلة،  وستر حينها سوف يصفو ذهنك وسيغدو بإمكانك رؤية العالم في حقيقته.

وصية نبيه قبل أن يسافر لاستكمال دراسته خارج البلد، لا تني تومض في ليل ذهنه.

 ها هي ذي الآونة الفرصة تفتح له ذراعيها بعدما كلفته الشركة بتتبع أشغال بناء مارينا جنب قرية الصيادين،  وها هو الآونة على وشك اكتراء شقة مفروشة جنب الشاطئ.

... سوف... سأمر على متاجر مرجان... كرتونة نبيد نابوليون اللذيذ... كرتونة هينيكن... نادين والأصدقاء جميعهم. الاسترخاء وتمرينات اليوغا الملكية والجوغينغ في الصباح الباكر وجمع قواقع البحر والباربكيو والسمك الطازج... الالتزام ببرنامج حياة مدروس بعناية فائقة...  المووسسيقى... نيرفانا وبريان آدمس ولويس أرمسترونغ.. آه... لويس آرمسترونغ...  ماذا أيضا...؟... دهمته غفوة استيقظ إثرها على أمل أن تكون قد انتفت الخمس دقائق التي استعذبت تعذيبه وفي اللحظة التي ظن فيها أنه ولج من جديد النفق المؤدي إلى مغارة النوم أيقظته فكرة مرعبة، فكرة أنه ربما يحلم.... تمطط في مكانه فانشبكت إحدى قدميه بدواسة الفرامل،  أحس بألم عابر... لا... لم يكن ذلك حلما.. لا..

من بعيد لاحت سيارة رونو 4 قادمة من الاتجاه المقابل وسط غيمة من الغبار. حين أيقن أنها سيارة السمسار أحس برعشة غريبة تسري عبر كامل جسده.

... تم كل شيء بسرعة فائقة... هكذا هي لحظات الانعطاف كما كنت تصفها... تذوب في محلول لحظة الانبهار... يرفض الذهن المعذب قبول هدايا الأيام. أليس كذلك؟

الشقة جميلة كما تصورتها بالضبط، و مالكة المنزل طيبة ولو أن حزنا شفيفا وآسرا استشعرته يطفو في عينيها، و يوحي بأنها عاشت معاناة عديدة ربما تتاح لي مستقبلا فرصة معرفة خباياها.

لا تقطب حاجبيك،  أنا الآن ثمل. ثلاثة أيام مرت في سكينة وطمأنينة، و قد كانت كافية لأن أستأنس بالمكان رغم أن الحنين إلى هرج بيتنا شرع يتسلل في شكل شعور بوحدة قاتلة كنت أحن إليها فيما مضى وها حواسي الآونة لا تطيقها. نعم... صدق أو لا تصدق... أظن أن التغيير يستلزم وقتا حتى نستأنس به أليس كذلك؟

نعم. كان صادقا، إذ في الأيام الأولى،لم يلتزم بالبرنامج الذي خطه في مذكرته ؛يذهب صباحا إلى عمله ولا يعود إلا في وقت متأخر بعد أن يمر على الحانة التي كان يرتادها فيما سبق وحتى إذا عاد مبكرا يمر على مقهى الصيادين حيث ينهمك في لعب البيلياردو إلى أن تناديه جنيات النوم،  كما لو أنه يتهرب مما كان يشوق إليه أيام كان يعيش في كنف أسرته.

في منتصف الشهر كان مرتب الشهر المنصرم يستحيل بضع وريقات من فئة العشرة دراهم وتعاوده من جديد تلك الحالة من الانقباض والحزن.  الكآبة نفسها التي ظن أنه تخلص منها حين جاء الى قرية الصيادين...

في الوقت الذي خلت فيه أن الحياة ستأخذ مجراها، سأصاب بخيبة أمل لم أكن أتصورها بل أكثر من ذلك سيتبين لي فيما بعد أن الحياة ليست بالسهولة التي نتخيلها.

في تلك الليلة – وكانت ليلة سبت - زارني سامي رفقة مها واصطحبا نادين –تعرف طيبة سامي-، كانت سهرة ممتعة، رقصنا بمرح وأتينا على كرتونة من جعة الهينكن اللذيذة و... و رغم رفض الفتيات المبيت، كانت،  كبداية،  سهرة رائعة. بعدما ودعتهم اندسست في الفراش مباشرة من فرط الإرهاق وكان النوم قد داعب جفني حين تناهى إلى مسمعي نشيج كتيم من جهة المطبخ. استغربت وظننت الأمر مجرد هلوسة. بعد برهة،  أزحت عني الغطاء واتجهت نحو مصدر الصوت. كان قد انخرس وانكتم فور دخولي المطبخ. نسيت أن أخبرك بأن مالكة البيت ممرضة متقاعدة وتسكن في الطابق الفوقي لكن باب بيتها يوجد في الزقاق الخلفي، و قد كنت أسمع طقطقة خطواتها مرات عديدة، خاصة في الليل،  وهذا ما جعلني أظن أن النشيج إياه صدر من هناك خاصة وأن الأصوات بالليل تصبح واضحة. لم أعر للأمر اهتماما فقد كنت مرهقا حينها، كانت هذه الحادثة الغريبة ستعتبر عادية وستغور في كهف النسيان،  كغيرها من الأحداث الصغيرة التي تحدث للمرء مرارا وتكون نتيجة استيهام قد يولده الإرهاق أو شيء آخر، لولا ما حدث في اليوم الموالي.

ما حصل في اليوم الموالي وحسب ما رواه لي حين زرته في المشفى أعتبره ضربا من الاستيهام الذي يسبق عادة الهلوسة،  وربما تحت تأثير مؤثرات تربيته المحافظة يحاول ربطه بخوارق جهد محاولا إقناعي بإمكانية وقوعها مغلفا تفسيره بعدم قدرة العلوم في الوقت الحالي على تأكيدها.

في نفس اليوم الذي استلم فيه مرتبه ومر على متاجر مرجان واقتنى ما اقتناه حسب برنامج قال أنه حدده في أول الشهر،  دخل إلى البيت فوجده قد وضب في غيابه،  الأغطية طويت ووضعت بعناية على حافة السرير وثيابه التي تركها ملقاة ف يزوايا الغرفة رتبت هي الأخرى ووضعت فوق الأغطية،  وحتى الأواني تم غسلها بينما أعيدت القنينات الفارغة إلى الكرتونة. التبس عليه الأمر وارتبك بيد أنه صرف النظر بعدما تراءت إليه فرضية أن مالكة البيت هي من يحتمل أن تكون قد دخلت البيت. امتعض من ذلك التصرف وأنت تعرف أنه لا يحب  أن يعتني به أحد  – تذكر غرفته أيام كنا نهيئ لامتحانات الباكالوريا في ذلك العام الذي يبدو وكأنه البارحة.

... بعدما ملأت الثلاجة بقنينات النبيذ دخنت سيجارة ثم اتجهت مباشرة إلى الزقاق الخلفي عازما على الاحتجاج لديها. دفعت بابا خشبيا يطل على بهو صغير. على اليمين كانت هناك شقة ذات بناء مستطيل تبدو كزنزانة وكان قد أخبرني السمسار أنها تكترى لليلة أو ليلتين فقط. بعد برهة لمحت زر الجرس مدسوسا وسط الأعشاب في الباب المقابل للباب الخشبي. حين ضغطت عليه سمعته يرن في الطابق الفوقي فأيقنت أنه يعمل. بعد برهة انفتح الباب على ابتسامة مالكة البيت.

-كيف حالك،  آمل أن تكون قد استمتعت بشقتك...

أحسست باطمئنان في لهجتها لم المسه خلال لقاءنا الأول.  أديت لها واجب الكراء فناولتني بسرعة توصيلا وابتسامة وحين هممت بإثارة مسألة دخول البيت في غيابي قاطعتني بصوت مبحوح.

-أنا في الحقيقة لا أكري البيت للشهر... مسألة حساب أرباح لا أكثر.. تمليت سحنتها مليا وهي تتكلم بسرعة. لم أقو على مقاطعتها فاستسلمت لثرثرتها. علمت أن لها أربع شقق مفروشة وأن الشقة الملعونة التي أقطنها كانت وقبل مجيئي بثلاثة أشهر مسكنا لطبيب شاب... حين يئست من هدرها وتلويحها بيدها ممسكة بمحفظة جلدية امحت صفحتها السوداء، قاطعتها بنبرة حادة.

-سيدتي. أرجوك، فقط أود إخبارك أني لا أحب أن يدخل أحد بيتي. أقصد الشقة في غيابي حتى للتنظيف...

انطلقت من جديد وبدت وكأنها كانت حبيسة زنزانة انفرادية مند أمد بعيد.

-الشقة، لا، التنظيف لا، لم نتفق على ذلك، خلال الصيف تكون القرية آهلة بالمصطافين وأنا لا...

-سيدتي، قلت فقط...

-فهمت لكن أنا،  الكل يعرفني... أرادت أن تسترسل لكني قاطعتها بعد أن أيقنت أنها حالة ميئوس منها فعلا.

-باي سيدتي. قلتها وأنا خارج البيت.

قفلت راجعا إلى الشقة وما عساني أفعل مع كائنة من هذا النوع. مكانها في الحقيقة غرفة في الساناتوريوم.

يجب توخي الحيطة وعدم الانسياق وراء كل ما يقوله... ...

... كانت السنة النار تتراقص والخشب يحترق باعثا دفئا ناعما في الصالون ومن حين إلى آخر كانت جمرات واهجة تتفرقع ممزقة سكون ذلك الليل البارد. أزاح نبيه كوم الأوراق وأردف.

-معك حق، رسائله الأخيرة جعلتني أعيد النظر في كل ما قاله...

الظلام المغبش بأنوار ألسنة النار المتراقصة في المدفأة كان يغري بالسهر. رنوت إلى أيقونة بودا الجالس في وضع زهرة اللوتوس بدت لي تظهر وتختفي وظلال النار تداعبها من حين إلى آخر. وحده ذلك التعيس الذي أنهى حياته بتلك الطريقة الفاجعة نفتقده،  أنا ونبيه،  في هذه اللحظة الهادئة.

... بعدما عدت إلى الشقة أقفلت الباب بالمفتاح من الداخل ورحت أهدهد انفزاعي بتهيئة المزة أما الأكل فقد كنت أجلبه معي من المدينة. أتذكر جيدا تفاصيل ما وقع في تلك الليلة إذ وأنا في أوج ثمالتي أجر جسدي عبر زوايا الشقة معيدا ما رتبته يد تلك التي تناهى إلي نشيجها في الليلة التي زارني فيها سامي والفتيات, داهمني إحساس غامض. لم أفهم حتى اللحظة أي قوة أوحت لي بفكرة البحث في جيوب ثيابي وهذا ما زاد ايماني بتلك الظواهر التي كنت دوما أعجز عن تفسيرها حين أعتمد على منطق العقل. تصور نبيه. في جاكيتتي السوداء التي أهديتنيها في عيد ميلادي، العام الفائت.  وجدت ورقة في جيبها الداخلي.  ورقة طويت وطويت إلى أن صارت في حجم تذكرة الباص 33.  مكتوب عليها مايلي :

أنا التي نظفت شقتك،  سامحْني،  بدوت في حاجة إلى من يعتني بك...

صحوت نعم صحوت رغم أني كنت شبه" كنوك أوت?" حينها. لبثت مدة طويلة انتظر ظهور، ها وأحيانا أحاور روحها التي كانت كل حواسي تخبرني أنها تعيش هنا في هذا البيت كنت أحس بوجودها في زاوية ما من البيت. حين يئست رحت اكلم الفراغ وقد سيطر علي شعور غامض أوحى لي أنها كانت تسمعني لكن قوة ما كانت تمنعها عن الإجابة. لا ادري كم من الوقت مضى حين أحسست بالملل فتهالكت فوق السرير دون أن أغير ثيابي. حين أغمضت عيني دافنا رأسي في الوسادة داهمتني الطيارة?. كان شريط الحياة يمرق بسرعة فائقة و، لمحت الأطفال يركضون عبر الأزقة وسيارات الجيب الرمادية والرصاص والدم والمزابل والأشلاء تتطاير في الهواء تحت ضوء الشمس والمراحيض والصراخ والعويل والأكفان والمقابر الجماعية وأحواض السباحة وحقول القمح والنيران تشتعل فيها والحيوانات تفر مذعورة... و... و... و أنا أترنح قاصدا الحمام،  وفي منتصف المسافة انقدفت من جوفي  كل تلك الصور الكابية وفي تلك اللحظة البرقية بالضبط انتصب شبحها أمامي.

... كانت قبالتي على مبعدة مترين تقريبا، خلت نفسي في عالم آخر له ابعاده ومعالمه الخاصة. كانت ترتدي فستانا أزرق وشعرها أسود فاحم ينسدل على كتفيها مؤطرا وجها أبيض بدا لي مألوفا في تلك اللحظة،  كانت تريد التفوه بشيء ما لكنها لم تتمكن إذ سرعان ما اختفت من جديد،  وقبل أن يتبدد جسدها لمحت في عينيها نظرة حسرة شبيهة بتلك التي أراها في عيني والدتي كلما ولجت البيت ثملا. جاوزت بقعة القيء،  وولجت الحمام،  أبليت وجهي بالماء ثم عدت مباشرة إلى السريرحيث نمت حتى الصباح.

و في الصباح وقبل أن تنفتح عيناي وتستيقظ حواسي لتلفي أنفسها تحت رحمة صداع الرأس ونتوء تلك الصخرة في الحنجرة ورائحة الجوف الحامزة، في تلك اللحظة بالذات،  سأتلقى طلقة الرحمة... اقتعدت فوق السرير بعد لأي وجلت ببصري في أرجاء الغرفة وقد كانت أشعة الصبح الأولى قد تسللت عبر ستائر النافذة وانتشرت بقعا في أرجاء الغرفة. بصعوبة أنهض دماغي جسدي فاتجهت مباشرة صوب الليفينغ روم وقبل أن أصل إلى هناك انتبهت إلى عدم وجود القنينات والورقة في أمكنتهم فوق المائدة التي تتوسط الأرائك,بيأس التفت نحو البهو المفضي إلى الحمام. بقعة القيء التي كانت هناك اختفت ولم يعد لها أثر. أيقنت في تلك اللحظة أنها انبثقت أثناء الليل ونظفت المكان بتلك العناية التي نظفت بها في المرة الفائتة. لم أتذكر ما حصل بعد ذلك إذ كانت قد استبدت بي حالة من الهلع والارتباك لم أشعر بها في يوم من الأيام. لم أع إلا وأنا في طريقي إلى بيت العائلة بعدما تناولت فطوري بسرعة في مقهى الصيادين. في بيتنا حدث شيء غريب. نظرة الحسرة الممزوجة بالشفقة التي لمحتها في عيني تلك الكائنة الهلامية التي قلبت حياتي رأسا على عقب، قابلتني بها والدتي...

-أظن أن الوقت قد حان لنتناول العشاء...

تمطط نبيه في الصوفا وتطلع إلى الإطارات حيث صور الماضي ولبث مركزا نظراته عليها ثم كما لو أنه وجد فيها تفسيرا لمأساة إلياس الغامضة،  التفت في اتجاهي وقال مستعينا بابتسامة مريرة حطت على شفتيه فجأة.

- نعم معك  حق، أحس بجوع شديد رغم أني عادة لا أجوع في مثل هذا الوقت المبكر من الليل...

تناولنا وجبة خفيفة طهوتها بسرعة.  لحم مفروم بسلطة طماطم. لم نتحدث كثيرا كان كلانا يحاول أن يستنبط لوحده شيئا ما من محتوى الرسائل وقصاصات الورق التي اعطانيها قبل موته بتلك الطريقة الفاجعة.

و أنا أرنو إلى النار تلتهم على مهل الخشب في المدفأة ممسكا بكأس الويسكي ومضت الفكرة في ذهني.

-يمكن أن يكون هو من نظف البيت في الليل إثر خوف باطني من والدته أو يكون قد تعود على...

-تريد أن تلمح إلى بلوغ ازدواجيته مرحلتها العصابية واستحال عليه بالتالي إدراك ما تفعله شخصيته الأخرى..

- نعم، شيء من هذا القبيل وهناك نماذج كثيرة هوت إلى هذا الدرك... خاصة عند المدمنين على الكحول...

انحنى نبيه على المائدة الخفيضة وأمسك بقنينة الشيفاز التي اقتناها من الطائرة وسكب سائلها في الكأسين حتى منتصفهما وقال وهو يضع قطع الثلج بحذر عهدناه فيه منذ أيام الدراسة.

-على أي أكمل وسنرى أن كلانا مخطئ في فهم إلياس،  خاصة حين ستوضح حكاية تلك الكائنة الشبحية...

... في بداية الأسبوع اتخذت قرارا بتكريس جل وقتي لاستكناه غوامض ما حصل. انعزلت تماما عن العالم وكروبوت مبرمج على اكتشاف خيوط جريمة رحت أبحث عن أي مصدر من شأنه أن يمدني بأخبار عن البيت ومالكته وساكنيه الأوائل.

تمكنت بسرعة من جمع معلومات كانت بمثابة الفانوس الذي سيضيء طريقي في ذلك الكهف المظلم.

صديقي مصطفى الصياد أخبرني عن فتاة كانت تشتغل عند الممرضة المتقاعدة وقال أنها كانت تدعي أنها ابنتها لكن بعد أن غادرت الأخيرة القرية تبين أنها كانت تتبناها فقط. بسرعة ولا أدري مبعث تلك السهولة التي جعلتني أستنتج أن الفتاة التي اقتحم شبحها حياتي هي نفسها الفتاة التي كانت تشغل خادمة عند الممرضة.

سأعلم كذلك من أحد الحراس الليليين بأن الطبيب الذي سكن هناك كان أعزب، إضافة إلى تلك الحادثة بين الطبيب ومالكة البيت التي لاكها سكان قرية الصيادين لمدة طويلة، ففي إحدى الليالي وبعدما ثمل نشب بينه وبين الممرضة المتقاعدة شجار وصل إلى حد الضرب والجرح وقد تبين لدورية الدرك التي صودف أن مرت في تلك الليلة أنها هي الأخرى كانت سكرانة ويشاع أن المسألة قد سويت عن طريق التصالح بعد تدخل أحد الهواتف، و هذا ما جعل رياح الشك تعصف بشراع ذهني...

في بداية الأسبوع اتخذ قرارا بتكريس جل وقته لاستكناه غوامض ما حصل. كان قد حدس أن الأمر يتعلق بعملية قتل تسترا على علاقة جنسية غير شرعية أدت إلى الحمل أو شيء من هذا القبيل ,و هذا ما سيتوضح جليا ليلة الخميس من ذلك الأسبوع. سهرت في الليفينغ روم مسليا وحدتي بإشعال أضواء الغرف والتجول من حين إلى آخر عبر أرجاء البيت، أنتظر بفارغ الصبر ظهور تلك الكائنة الشبحية –اسمها آية حسب معلومات مصطفى الصياد.

جاءت أو انبثقت أو ظهرت-عجز أفعال اللغة الوضعية-. نتأت كحلم في سماء دنياي في الهزيع الأخير من الليل. حلم أو كابوس، رؤيا يصعب تحديدها في هذا الزمن المتقلب.

تناهى إلى مسمعي صوت طقطقة كتيمة فأطفأت الركوردر مباشرة ونهضت مسرعا إلى البهو وسرعان ما سمعت النشيج ينبعث من جهة المطبخ. تسرب الخوف في تلك اللحظة إلى نفسي ,لكني ربطت جأشي وتقدمت صوب المطبخ الذي كان في عمق البهو قبالة المرحاض. حين بلغت مدخل باب المطبخ الذي كان مشرعا على مصراعيه، رأيتها قابعة في زاوية وبين أحضانها رضيع عار في الساعات الأولى لولادته  وترفع يديها احتماء من شيء ما. حين هممت بالتقدم ورغم الفزع الذي استولى على روحي حينها، لم أتمكن. بدا وكما لو بيننا جدار هلامي غير مرئي. استمر هذا المشهد مدة لم استطع تحديدها,كانت خلالها تظهر وتغيب وفي إحدى اللحظات أشارت بيدها إلى جهة الحمام وجاهدت كيما تنطق بسر ما... من خلف ذلك الستار اللامرئي حثتها على أن تفشي ما ودت افشاءه... و بدا أنها كانت تقاوم قوة جبارة كانت تمنعها من قول ذلك السر, وقد نجحت بفعل اصرارها، قبل أن تختفي التقطت اذناي كلمة... الطرادة... قالتها بالفرنسية"لا شازل" وأشارت بيدها  إلى جهة المرحاض ثم اختفت... دون أدنى تردد  اتجهت نحو المرحاض.  نصف ساعة ولم اعثر على شيء، توقفت برهة حتى استرجعت أنفاسي ثم واصلت البحث,رفعت غطاء الطرادة للمرة العشرة وحين لم أجد شيئا صعدت فوقها ورحت  ابحث في جوانب أنبوب صرف كان يخترق سقف المرحاض.  في لحظة انعدام توازن خفضت رأسي محاذرا السقوط فوقع بصري عل حفرة صغيرة في أسفل الطرادة. نزلت مباشرة. حين دسست أناملي اصطدمت بورقة مدعوكة ومدسوسة في أسفل الحفر,كانت ورقة رسائل...

أحبك وسنتزوج حالما تستقر وضعيتي...

تبين لي بعدما قارنت الورقتين أنها كتابة الطبيب، وأن الفتاة كانت ضحية جريمة قتل خوفا من الفضيحة وربما حتى الممرضة متواطئة وما إصرار تلك الكائنة الشبحية على أن أكتشف الورقة إلا لاستعمالها كدليل يساعد على كشف الجريمة...

نمت في هدوء تلك الليلة رغم كل ما تعرضت إليه، وكان لما ظهر من حقيقة وقع البلسم على قلبي، وقبل أن أنام كنت قد اتخذت قرارا بالقيام بتحريات وفكرت ان ابدا بالاتصال بالطبيب صاحب الرسالة. نمت مخفيا الورقة في جيب سترتي الداخلية وقد وجدتها في مكانها صباح اليوم الموالي. بدا لي ظهورها وأنا أستيقظ توسلا كيما أكشف عن حقيقة هي عاجزة عن كشفها لأنها هناك في ذلك العالم الأخر الذي يفصلني عنه ذلك الجدار الهلامي...

-إننا هنا أمام شبح يشبه تماما أشباح الأدب الغرائبي...

-أجل الأمر يشبه نسجا غرائبيا وهنا ربما مفتاح كتابته بعض الأوراق بضمير الغائب، و أخرى بضمير المتكلم. تتذكر ولعه بالكتابة أيام الدراسة...

تزحزح نبيه في مكانه واستوفز كما لو أن شيئا ما ومض في ذهنه.

-تزامن مرضه مع استيقاظ حلمه بالكتابة. قال ضاغطا على الحروف وتابع... هذا هو التفسير الوحيد،  ربما،  لكل هذه المربكة، و أنت تلاحظ ورغم الأوراق المبعثرة أن هناك تناسقا في الأحداث.

-إن الذي يضللنا هو محاولتنا وجود تفسير لظهور الشبح والذي قد يكون من نسيج خياله الحالم بالكتابة هذا عوض أن نبحث عن سبب تزامن هذا النتوء الشبحي مع التغيير الذي طرأ في حياته ولم يكن بميسوره استغلاله...

سلم مفاتيح البيت إلى الممرضة وعاد إلى رتابته وضجره المعتاد ولم يستسغ انهزامه فآثر الانتصار عبر الانتحار إذ من الصعب استبدال نظارات بعد أن ألفت شبكة العين نظاراتها الأولى. إن الأمر يشبه الفطام تماما والصعوبة قد تتحول استحالة إذا كانت الألفة قد تجدرت بين شبكة العين والنظارات.

هذا ما تراءى لي بعدما قررت أن أقبض ثمن سكوتي. و هاأنا الآونة أتخلص من ماله القذر في هذا الفندق الساحلي بعيدا عن ضجر المدينة وكآبة بيت العائلة. أود أن أنسى وسأنسى بقوة الشيفاز واللامبالاة. هل سأتمكن، سأنجح أم لا؟ليس السؤال مهما في هذه اللحظة.؟

كانت هذه بداية دخوله الخطوط الحمراء أو بداية مرحلة يأس قاتم ستقوده إلى الانتحار بتلك الطريقة الفاجعة، فقد وجد مخنوقا بسلك نحاسي في غرفة المشفى وهذه الورقة مرمية تحت قدميه.

رأيت الحقيقة حين رغبت في رؤيتها ,لكني كنت أجبن من أن أكمل مشوارا كان من شأنه أن يبعث دفئا في روحي يقيني برد هذا الصقيع. أمل. معنى حقيقي للحياة. لكني فشلت وها أندا أعانق ألامي. أضمها كعشيقة أتحسس دقات قلبها تنبض في روحي.  أنا والفراغ واللاشيء. غابت، أغرتها الرياح الغربية. خدعتها، طوتها تحت أجنحتها وسافرت بها بعيدا وها أنا ذا أتهيأ للالتحاق بهم... 

-كلمات مؤثرة حقا. حصلت عليها بعد جهد لقاء خدمة أسديتها إلى ضابط الشرطة الذي كلف بالتحقيق في الملف... آه.. نسيت أن أخبرك أن والدته وجدت في جيب بنطلونه وصلا يشير أنه استلم مبلغا لا بأس به..

-قد يكون من مدخراته أو مجرد صفقة ما... إسمنت أو... لا أظنك ستصدق حكاية الطبيب والشبح...

-لا... على أي. الوقت متأخر وغدا عليك الاستيقاظ مبكرا حتى تكون في المطار عند موعد إقلاع الطائرة في الساعة التاسعة والنصف...

 

حميد الهجام

 

 


المراجع

almothaqaf.com

التصانيف

أدب  مجتمع   قصة