أبو ذر أحمد محمد
صحفي سوداني


العودة مرة بعد مرة إلى شعراء العربية الكبار ضرب من الإحياء الشعوري والمعرفي، وبخاصة في أيام غيبوبتنا وانكسارنا.
وعبد الله البردوني شاعر شكَّل علامة فائقة الامتياز في الشعر العربي المعاصر، وهو عمود لا يمكن أن ينسى، وهو يوصف بأنه آخر الشعراء الكلاسيكيين الكبار، وأبرز المميّزين في كتابة القصيدة العمودية، وله اثنا عشر ديواناً صدر أولها في عام 1961م، منها ديوانه (السفر إلى الأيام الخضر)، وله ثمانية كتب تتناول تاريخ اليمن المعاصر؛ السياسي والثقافي والاجتماعي.
كان العمى علامة اليأس الذي غمر حياته من أوَّلها وحتى وفاته في أغسطس 1999م، ولكن العمى لم يحجبه عن رؤاه الحافلة بالنبوءات التي تمتزج فيها الأساطير المأربية بالتاريخ الوثيق الوضيء.
البردوني نسبة إلى قريته (البردون)، وهي تجمع قبيلته التي انتقلت من مناطق سد مأرب واستقرت في صحراء العرب حتى ظهر الإسلام فحملوه إلى كل مكان.
والبردوني آخر أقطاب القصيدة العمودية في شكلها المتطوِّر؛..محمّد المهدي المجذوب في السودان، وعمر أبي ريشة، وبدوي الجبل في سوريا، ومحمد مهدي الجواهري في العراق:
يا رؤى يا نجـوم أين بـلادي؟
  • لي بلاد كانت بشـبه الجـزيرة
  • أخـبروا أنهـا كانت عروسـا
  • وامتطت هدهداً و طارت أسيرة

  • تلك صفحة من التاريخ فيها مواكب أزمنة، و تهاويل شخوص تناثرت في سباريت مجدبة ليس فيها من المعالم و الصوَى إلا مضارب الحُمس الأشاوس، تُحدِّث نيرانهم عن ملاحم لا تعد، وتحكي عن حضارتهم قصورٌ مشيدةٌ وقلاع وسدٌّ شاهد على العبقرية (الخورنق و السدير و مأرب):
    ورووا: أشأمت على غير قصد
  • ثم أمسـت على (دمشق) أميرة
  • قلعتي يا شـام ريـحٌ ..و ريحٌ
  • زرعـتني هنا..كروماً عصـيره
  • وبرغـمي نزلت غـير مـكاني
  • مثـلما تلـتقي العـظام النثيرة
  • وعلت جـبهة الخـورنق تاجاً
  • يا سـنمار أي عـقبى مـثيرة

  • والتاريخ هاهنا ليس سرداً بكائياً وإن كان غير خافي الدموع، ولكنه تفسير صريح لما حاق بأبناء يعرب وقحطان من تخبط تمتد مشاهده التعيسة واقعاً مشهوداً في أبشع صور الفاقة وابتغاء النوال من أبواب المستعمر النحسات، وانتظار الإعانات اللعينة من تحت حذائه:
    فظيـع جهـل ما يجـري
  • وأفظـع مـنه أن تـدري
  • غــزاة لا أشـاهـدهم
  • وسيف الغزو في صـدري
  • فقـد يأتـون تبــغاً في
  • سـجائر لونـها يغـري
  • وفي صـدقات وحشـيٍّ
  • يؤَنْسِنُ وجهه الصـخري
  • وفي أهــداب أنثــى
  • في مناديـل الهوى القهري
  • وفي ســروال أســتاذٍ
  • وتحت عـمامة المقــري
  • وفي أقـراص منع الحـمل
  • في أنبــوبـة الحــبر
  • في حــرية الغــثيـان
  • في عــبثيـة العـــمر
  • في عــود احــتلال الأ مـس في تشكيله العصري
    في قنِّيــنة الويســكي
  • في قــارورة العــطـر
  • ويســتخفون في جـلدي
  • وينســلُّون مـن شعري
  • غــزاة اليـوم كالطاعون
  • يخـفي وهـو يسـتشري
  • يحـجـِّر مولــد الآتـي
  • يُوشــي الحاضـر المزري

  • تسربل العدو بأكثر من قناع فجاء خافياً و بادياً في أكثر من قرص و أكثر من سلعة و تخلل أظافرنا و نبت مع شعورنا، فصار عندنا عدوان خارجي و آخر من بني الأوطان، و المشهد هو هو منذ 1973م تاريخ قصيدة (الغزو من الداخل):
    ترقى العار من بيع إلى بيع بلا ثمن
    و من مستعمر غاز إلى مستعمر وطني

    حتى صرنا:
    يمـانيـون في المنفى
  • ومنفيـون في اليـمن
  • جنوبيـون في (صنعا)
  • شـماليون فـي (عدن)
  • بلا حـلم بلا ذكرى
  • بلا سـلوى بلا حـزن
  • يمـانيـون يا أروى
  • ويا (سيف بن ذي يزن)
  • و لكنا برغمكما بلا
  • يـمـن بـلا يـمـن
  • بلا مـاض بلا آت
  • بلا ســر بلا عــلن

  • و يتلاشى المكان و يختزل الحاضر و الماضي فاليمانيون عراقيون أو سوريون أو فلسطنيون أو لبنانيون، وصنعا هي عدن، هي الخرطوم، هي بيروت لو صحَّت هذه الأوزاع، وإنما هم أصلاً جميعاً أبناء أروى وأحفاد ذي يزن، يسوؤك حالهم وهم اليوم يملكون آبار النفط بأكثر مما ساءك وهم ينتظرون الإعانات و يستجدون الخبز والدواء، وصاروا لا فرق بينهم وبين إبلهم الضامرة الهيم، الهائمة على وجوهها في المفاوز:
    كالعيس في البيداء يقتلها الظمأ
  • والماء فوق ظهورها محمول

  • و ملكتهم الأوبك و اسنزفتهم (قواعد الحماية) الأمريكية، تسرق نفطهم فهم من ذلٍّ الفقر قبل النفط إلى ذلِّ الاستعمار بعده:
    أمـير النفـط نحن يداك
  • نحن أحـدُّ أنيــابـك
  • نحن القـادة العطـشى
  • إلى فضـلات أكوابـك
  • ومسـؤولون في (صنعا)
  • وفرَّاشـون في بابــك
  • ومن دمـنا على دمـنا
  • تموقع جـيش إرهـابك
  • لقد جئنا نجرُّ الشـعب
  • في أعــتاب أعـتابك
  • ونأتي كـلما تهــوى
  • نمسِّح نعل حُجــابك
  • و نسـتجديـك ألقاباً
  • نتوِّجــها بألقـابك
  • فمرنا كيف ما شـاءت
  • نوايا ليـل سـردابك
  • نعم يا سـيد الأذنـاب
  • إنا خــير أذنابـك
  • فظيـع جهل ما يجري
  • وأفظع منه أن تدري

  • هذه القصيدة الرصينة الوثيقة؛ رصينة في ا لدراية ا لسافرة الصارخة في وادي عبقرنا و في مدائننا السليبة ستظل سفراً بدأ خطواته البردوني و لمّا تصل القافلة بعد و أنّى لها؟..و العدو متربص و الأخطار بيننا ومصوبة على صدورنا من شرق ومن غرب، إنها مآسينا:
    يا رفاقي..أن أحزنت أغـنياتي
  • فالمآسي حياتكم وحياتي
  • إن همـت أحرفي دمـاً فلأني
  • يمنيُّ المداد..قلبي دواتي
  • أمضغ القات كي أبيت حزينا
  • والقوافي نهمي أسىً أوقاتي
  • أنا أعطي ما تمنحون احـتراقي
  • فالمرارات بذركم ونباتي
  • غير أني ومدية الموت عطـشى
  • في وريدي أشدو فأُلغي وفاتي
  • فإذا جئت مبكياً فلأني جئتكم
  • من مماتكم ومماتي
  • ليس قصدي أن تيأسوا لخطاكم
  • قصةٌ من دم الصخور العواتي

  • إنها قوافي البردوني الهائمة على وجهها:
    أيساراً يا صنعا أمضي؟
  • أم انتهج الدرب الأيمن؟
  • هل هذا الأحسن أم هذا
  • يبدو لا شيء هنا أحسن

المراجع

شبكة المشكاة الاسلامية

التصانيف

تصنيف :شعر