لقد بحث الفقهاء مسألة شرط البراءة من العيب ومدى جوازه؛ ففي المذهب الحنفي يعد شرط البراءة من العيب شرطاً صحيحاً، فالعلم بالعيب رضا به والإبراء إسقاط، فإذا أبرأ المشتري البائع فقد أسقط حق نفسه فصح الإسقاط.
والبراءة من العيب إما أن تكون عامة بحيث يقول البائع بعت كذا على أني برئ من العيوب، أو من كل عيب وإما أن تكون البراءة خاصة بأن يقول البائع أنه برئ من عيب كذا ويسميه ولكن لا يجوز له أن يقول إنه برئ من كل عيب يحدث بعد البيع فإن فعل فالشرط فاسد(1).
وفي المذهب المالكي يجوز شرط البراءة من العيب على المشهور في المذهب.
ووجه الجواز ما ورد "من حكم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان - رضي الله عنهما - بإمضاء البيع المشترط فيه البراءة.
ومن كون الضرورة قد تمس إلى ذلك، وتدعو إليه الحاجة والمصلحة فعفي عنه كما عفي عن عقود تضمنت غرراً للضرورة الداعية إلى العفو عن ذلك"(2).
وفي المذهب قول آخر بعدم الانتفاع بالبراءة مطلقاً لوجه الغرر فيه، فإذا اشترط البائع على المشتري ألا يرد عليه بعيب يوجد في محل البيع فإن ذلك يتضمن شراء على مبيع غير معلوم ولا محاط به، وبيع ما لا تعرف حقيقته لا يختلف في منعه كبيع الإنسان لما في نهره من حيتان.
وفي قول آخر في المذهب يجوز شرط البراءة من العيب مع تخصيصه ببعض المبيعات(3).
وفي مذهب الإمام الشافعي إذا شرط البائع البراءة من العيب ففيه ثلاثة أقوال:
أولها: أنه يبرأ من كل عيب رضي به المشتري فبرئ منه البائع.
وثانيهما: أنه لا يبرأ من شيء من العيوب لأنه شرط يرتفق به أحد المتبايعين فلم يصح مع الجهالة. وثالثهما: أنه لا يبرأ إلا من عيب واحد هو العيب الباطن الذي لا يعلم به البائع وهذا قول الإمام الشافعي(4).
وفي مذهب الإمام أحمد اختلفت الرواية عن الإمام أحمد حول شرط البراءة من العيب فروي عنه أنها لا يبرأ إلا أن يعلم المشتري بالعيب، كما هو قول الإمام الشافعي.
الرواية الثانية: أن البائع يبرأ من كل عيب لم يعلمه ولا يبرأ من عيب علمه وفي المذهب أن شرط البراءة من العيب لا يفسد البيع؛ لأن ابن عمر باع بشرط البراءة من العيب فأجمعوا على صحته، ولكن لا يمنع الرد بوجود الشرط ويكون وجوده كعدمه(5).
فإذا باع البائع "سلعة وشرط على المشتري البراءة من كل عيب بها أو شرط البراءة من عيب كذا أو باع بشرط البراءة من الحمل أن كان أو باع بشرط البراءة مما يحدث بعد العقد وقبل التسليم فالشرط الفاسد لا يبرأ البائع به سواء كان العيب ظاهراً ولم يعلمه المشتري أو كان باطناً. ولكن إذا سمى البائع العيب وأوقف البائع المشتري عليه وأبرأه منه برئ؛ لأنه قد علم بالعيب ورضي به ومثل ذلك ما لو أسقطه بعد العقد لأنه أسقطه بعد ثبوته له"(6).
ومما سبق يتبين أن من الفقهاء من يرى جواز شرط البراءة من العيب مطلقاً. ومنهم من يراه مع تقييده بكون العيب خفياً لا يعلمه المشتري. ومنهم من يرى أن هذا الشرط لا يفسد البيع ولكنه لا يمنع رد المبيع المعيب أي أن وجود هذا الشرط كعدمه.
قلت: وقد لا تنطبق طبيعة هذا الشرط كلية على التحذير الذي تضعه مصانع الأدوية عن العيوب التي توجد في أدويتها لفئة من المرضى، ومع ذلك فإن إعلان هذه المصانع عن هذه العيوب يقترب من هذا الشرط.. فمصنع الأدوية يقول لمن يشتري إنتاجه من هذا أو ذاك الدواء إنه يضر من لديه كذا وكذا من الأمراض وبالتالي يحذره من استعماله لكي ينفي عنه المسئولية بحكم هذا التحذير.
ويمكن القول بجواز هذا التحذير وانتفاء المسئولية عن المصنع بدليل ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين كان يتفقد أسواق المدينة فلما أدل يده في طعام معدٍ للبيع وجد به بللاً فقال لصاحبه ما هذا؟ فقال: أصابته السماء يا رسول الله فقال - عليه الصلاة والسلام -: ((أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس))(7).
ومعنى ذلك أنه - عليه الصلاة والسلام - أمر البائع أن يبين للناس حقيقة طعامه المعد للبيع لكي يكونوا على علم به حين يشترونه فتنتفي عنه بالتالي صفة الغش.
ولكن المسئولية لا تنتفي عن فعل الطبيب، فالمفترض حكماً أنه يعرف ما في هذا الدواء أو ذاك من مخاطر على المريض الذي يعاني من مرض آخر لا يتناسب هذا الدواء مع مرضه.
وهذا يعني أنه يترتب عليه حكماً-قبل وصف الدواء- سؤال المريض عن وضعه الصحي (أي معرفة ما عنده من أمراض خلاف المرض الذي جاءه يشكو منه) وإلا كان مسئولاً عما يسببه الدواء الموصوف منه من مضاعفات وأضرار.
وينبني على هذا أن نصح الطبيب للمريض في المسألة بعدم الاهتمام بتعليمات مصنع الأدوية يعد عمل خاطئ تترتب عليه بحكم القواعد العامة مسئولية تجاه المريض إذا تعرض لضرر، إضافة إلى مسئوليته عن وصف دواء رغم ما فيه من تحذير.
وخلاصة المسألة: أن التحذير الذي تضعه مصانع الأدوية يقترب في غايته من شرط البراءة من العيب المعروف في الفقه.
ويمكن القول بجواز هذا التحذير قياساً على قول بعض الفقهاء بجواز شرط البراءة من العيب، وبالتالي انتفاء المسئولية عن المصنع ما دام أنه قد بين ما في الدواء من أضرار للشخص الذي يعاني من مرض أو أمراض معينة.. ولكن المسئولية لا تنتفي عن الطبيب؛لأن المفترض حكماً أنه يعرف ما في هذا الدواء أو ذاك من مخاطر على المريض الذي يعاني من مرض آخر وبالتالي فإن نصحه للمريض بعدم الاهتمام بتعليمات مصنع الأدوية عمل خاطئ تترتب عليه مسئولية تجاه المريض إضافة إلى مسئوليته عن وصف دواء للمريض رغم ما فيه من تحذير(8).
المراجع
موسوعة " المختار الأسلامي "
التصانيف
عقيدة