الخطبة الأولى:
وصية الله عز وجل للأولين والآخرين في كل آن وحين تقواه سبحانه وتعالى.
والله جل وعلا في هذا الشهر الكريم وفي هذه الفريضة نادانا بنداء التقوى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة : 183).
الصيام شهر الجهاد والنصر، مجاهدة للنفس والشهوات ومغالبة للشيطان، تهيؤ المؤمن لمغالبة أعداء الرحمن، وها نحن اليوم نقف بين بدر والعشر، بدر مرت ذكراها قريباً والعشر نستقبلها غداً، وبشائر النصر تلوح من بدر إلى العشر، ونحن في هذا الشهر الكريم نعلق قلوبنا وآمالنا بالله سبحانه وتعالى وننظر إلى المواقف والدروس والعبر نقلب في صفحات السيرة ونمر على مراحل وأحداث التاريخ فنرى بشائر النصر وكأننا نبصرها رأي العين: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } (الحج : 39 ، 40).
ما من شك بأن الله سبحانه وتعالى ينتصر للمظلومين، وما من شك أنه جعل طريق هذا النصر أن يدفعوا عن أنفسهم الظلم بشرع أجازه الحق سبحانه وتعالى لتحقيق مصالح البلاد والعباد، وها نحن أيضاً نوقن يقيناً كما كان في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم عندما كانت هذه الآية إيذاناً بتشريع الجهاد والانتصار ضد الظلمة والطغاة الآخذين حقوق الخلق والمعتدين عليهم.
ومن هنا ونحن نرى ما يجري في أحوال أمتنا التي تنتفض ضد الظلم البشع والإجرام الفظيع فإنها أُذن لها بأن تنتصر لظلمها وإن في ذلك في عاقبة الأمر خيرا، وإن وعد الله في آخر الآيات قائم متحقق مطرد في سنة ماضية: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } (الحج : 40).
وذلك كما قال أهل العلم هو تحقيق وعد الله جل وعلا في قوله: { إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا } (الحج : 38)، فجعل قتالهم ومواجهتهم للأعداء سبيلاً لتنَزل نصر الله سبحانه وتعالى: { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ }(آل عمران : 142)، هكذا مضت سنة الله سبحانه وتعالى واقتضتها حكمته، وإذا رجعنا إلى بدر رأينا ومضات لا يكفي المقام إلا للقليل منها.
روى أهل السير وورد ذلك أيضا في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما خرج يريد عير قريش التي كان على رأسها أبو سفيان شاور أصحابه عندما تحول الأمر من عير إلى قتال، فتكلم أبو بكر فأجاد وأحسن وتكلم عمر وتكلم المقداد بكلام عظيم جزل كان فيه: "والله لا نقول لك ما قالت بنو اسرائيل لموسى: { فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } (المائدة : 24)، ولكن نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، والله لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك دونه حتى نبلغ"، ثم قال: (أشيروا علي أيها الناس)، فقام سعد بن معاذ وهو يقول: "لكأنك تريدنا يا رسول الله"، لأن الرسول كان يرى أن الأنصار قد ترى أن نصرته إنما تكون في المدينة لا خارجها فقالها سعد رضي الله عنه: "آمنا بك وصدقناك وشهدنا أن ما جئتنا به الحق وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة فسر بنا وامض بنا يا رسول الله فوالله لنكونن معك ولو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد".
المشورة في الأمة بين حكامها وشعوبها، بين قادتها وجندها هي ومضة من نور هذه الوحدة في الأمة وومضة من بريق النصر فيها، أما الغطرسة والظلم والاستبداد والطغيان والفرعونية المتفردة بالرأي التي لا ترى إلا رأيها: { مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ } (غافر : 29)، فهي التي أوردت الأمة المهالك، وهي التي أشاعت الظلم والمفاسد ومن ثَم فإن هذه الومضة التي نرى نورها قد تجلى في كثير من بلادنا وأراضينا تنكر هذا الظلم وتقرر مبدأ الشورى والعدالة والحرية فإنها كذلك مما يؤذن بالنصر.
ولعلنا نقف وقفة أخرى رائعة وجميلة هي من أعظم ما نرى في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، قائد الأمة الحق الحاكم بالعدل الذي يجعل نفسه في مقام رعيته، روى أحمد في مسنده بسند حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: عن أبي لبابة قال: "كنا يوم بدر كل ثلاثة نعتقب على بعير، فقال أبو أمامة: كنت أنا وعلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جاءت نوبته قلنا: اركب يا رسول الله ونحن نمشي عنك، فيقول: (لستما بأقوى مني على المشي، ولست بأغنى منكما عن الأجر)"، هل نرى صورة ولو تمثل عشر معشار ذلك في قياداتنا وحكامنا؟ هل نرى صورة المساواة وتحمل العبء وأخذ المهمة كلها لمصلحة الأمة ولرفع راية الإسلام؟ هل نرى هذا القائد الأعظم الرسول الأكرم الرجل الذي هو سيد ولد آدم يمشي مع أصحابه يعتقب على بعيره معهم ويمشي على رجليه وإياهم ويريد أن يعلم الأمة كلها كيف تكون القيادة، ليست بالسلطة ليست بالقوة ليست بالتحكم ولا بالقهر وإنما بالقيام بالمسؤولية، بحمل الأمانة، بأن يكون القائد قبل رعيته في كل المهام، وأن يكون معهم على قدم المساواة في أخذ كل هذه المهام في خدمة هذا الدين.
ومن هنا نرى أن الذي يطالب به أهل الإسلام في ديارهم اليوم صورة يريدون أن يعيدوا فيها حقيقة إسلامهم في نموذج نبيهم الأعظم عليه الصلاة والسلام.
ولو أردنا أن نمضي لرأينا الكثير والكثير، وفي صورة مقابلة لعلها ترينا ومضات النصر والهزيمة من جهة أخرى، لما نجت القافلة أرسل أبو سفيان إلى جيش قريش أن سلمت أموالكم فارجعوا إلى دياركم، وكان لأبي سفيان حكمة وكان عنده رحمة فماذا قال رأس الكفر وفرعون الأمة أبو جهل، قال: "لا نرجع حتى نرد بدر ونقيم بها ثلاثة أيام ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف القيام حتى تسمع بنا العرب فتهابنا الدهر كله"، صورة الطغيان الاغترار بالقوة فرض السيطرة والهيمنة في مقابل ذلك في الجهة الأخرى كيف كان الاستعداد للمواجهة يوم لم يخرجوا لقتال فتعين القتال، وأولئك خرجوا لقتال فتعين الانصراف عن القتال.
روى مسلم في صحيحه لما تعين القتال توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى القبلة ومد يده إلى السماء يدعو الله سبحانه وتعالى: (اللهم وعدك الذي وعدتني، اللهم آتني ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض أبدا)، وما زال يلح في دعائه ويلح في دعائه حتى سقط رداءه عن منكبه وجاء أبو بكر من ورائه وقال: "يا رسول الله كفاك مناشدة لربك فإن الله منجز لك ما وعدك"، أولئك يستمدون قوتهم من كثرة عددهم وكثرة عتادهم وربما قوة حلفائهم والمؤمنون يستمدون قوتهم من جبار السماوات والأرض، من رب الأرباب وملك الملوك، من قاصر القياصرة وكاسر الكياسرة ومغرق فرعون، ممن أمره بين الكاف والنون، أي قوة أقوى وأي قوى أبقى وأي قوة أمضى، هل قوة أولئك البشر مهما كانوا من قوى عظمى، مهما كانت لديهم طائرات أو راجمات أو صواريخ أو غير ذلك والمستمدون من قوة الله الذي بيده مقاليد السماوات والأرض، الذي إذا قضى أمراً إنما يقول له كن فيكون، ويوم تتعلق القلوب بالله ويوم تخلص في دعاءها وذلها وخضوعها وتضرعها لله تفتح أبواب السماء وتستنْزل نصر الله سبحانه وتعالى ويأتي النصر من حيث لا يحتسب أحد، ويأتي النصر من حيث لا تقدر أسباب المادة، ويأتي النصر من حيث لا تفكر العقول أو تقيس المقاييس الدنيوية والأرضية كما نصر الله سبحانه وتعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وعدد أعدائه ضعفي عدد أصحابه، وليس معهم من السلاح إلا السيوف، ولم يكن عندهم استعداد، وكانت النتيجة نصراً مؤزرا، وسبعون من القتلى وسبعون من الأسرى في مقابل أربعة عشر من شهداء المسلمين.
صورة في صورة بدر وفي آيات الفرقان وفي سورة الأنفال وفي الآيات الكثيرة التي وردت، صورة تدلنا وتعيدنا إلى المقاييس الصحيحة، مقاييس الاستقامة مقاييس الإيمان مقاييس التضرع والدعاء لله عز وجل ما انتصر المسلمون يوماً بقوة عتادهم ولا بكثرة أعدادهم، إنما انتصروا باستقامتهم على دينهم واستمساكهم بكتاب ربهم، وإتباعهم لهدي رسولهم واستمدادهم من ربهم ولجوئهم وتضرعهم إليه، وتاريخنا مليء بذلك ورمضان في صفحاته الجهادية المشرقة يؤكد ذلك ويعيده علينا؛ لأن المؤمن الصائم المخلص لله عز وجل المنتصر على نفسه المحارب لشيطانه القائم لطاعة ربه المتضرع لمولاه سبحانه وتعالى هو قطعاً قادر على أن يواجه كل قوى الأرض بهذه القوة العظمى قوة الله الذي هو على كل شيء قدير سبحانه وتعالى.
ولذلكم نحن نرى صوراً نرى فيها هذا الوميض وبعض هذه الإشراقات، ونحن نرى إخواننا الذين يواجهون الظلم في هذه البلاد المختلفة في بلاد الشام أو اليمن أو ليبيا أو غيرها وهم يكبرون الله وهم يستعينون بالله وهم خلو من كثير من أسباب المادة بل هم أصلاً لم يحملوا سلاحاً ولم يواجهوا العدو وإنما أرادوا أن يثبتوا أن حقهم لا بد أن يعود وأن ظلمهم لا بد أن ينتهي وأن كرامتهم وحريتهم ينبغي أن تتجدد كما تحرروا من سلطان هذه الشهوات والشبهات ووساوس الشيطان ونزغات النفس ونزعات الهوى كلها كما نرى في هذا الشهر الكريم.
وومضة أخرى لأننا نريد أن نؤكد أن الله سبحانه وتعالى أراد بنا وبهذه الأمة أن تكون أرقى وأسمى أمة في كل المعاني الإنسانية وفي كل التشريعات الإسلامية وفي كل ما يؤدي إلى قوتها ووحدتها.
ذكر أهل السير ومنهم البيهقي في الدلائل وغيره الحدث الذي نذكره دائما هنا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسوي الصفوف فكان سواد متقدماً قليلاً وكان مع النبي عصاً صغيرة وقال له استو يا سواد وطعن بها في بطنه، فقال: "أوجعتني يا رسول الله، وقد بعثك الله بالعدل فالقصاص"، قال: (دونك يا سواد فاقتص)، قال: "طعنتني وبطني مكشوفة"، فكشف النبي عن بطنه، فاحتضنه سواد فقبله، قال: (ما حملك على ذلك)، قال: "يا رسول الله قد حضر ما ترى وأردت أن يكون عهدي بالدنيا أن يمس جسدي جسدك"، ولكن العظمة في هذه التلقائية في الاستجابة للعدالة في الرجوع رغم أنه لا ظلم ولا بغي ولا اعتداء لكنها الصورة النموذجية التي تمثل الصلة الحقيقية بين الراعي والرعية ليس هناك افتراق ولا ابتعاد ولا بغي ولا عدوان هكذا جسّد ذلك رسولنا صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا نرى كثيراً من الصور التي تتجدد مع تفاوتها وبعدها إلا أنها إشراقات تبعث الأمل وبدايات تقود إلى كثير مما نؤمل أن تستقيم بها أمتنا على دينها وأن تعيد وتجدد هذه المشاهد والقيم العظمى في العدالة والمساواة على أساس صحيح من إيمان وإسلام وليس على أهواء أرضية ولا قوانين وضعية فإن في ديننا من قوة هذه التشريعات ما يجعلها أقوى وأبقى: { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى } (المائدة : 8)، من جاء بمثل هذا إلا هذا الإسلام العظيم.
ونحن نمضي ونرى كثيراً من الصور في بدر تبشرنا وتذكرنا وتقربنا إلى النصر وكأننا ننظر إليه نظر العين؛ لأن من يكون يقينه بالله ويقينه بآيات الله قوياً جازماً لا يشك أدنى لحظة في أن الفرج قريب وأن النصر قادم وأن الله سبحانه وتعالى منجز ما وعد وأن المؤمنين إذا رجعوا إلى ربهم وأن المسلمين إذا استقاموا على دينهم فإن الله سبحانه وتعالى جاعل لهم من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجا بإذنه سبحانه وتعالى وبقوته ومدده جل وعلا.
ومن هنا نكرر دائماً وأبداً أن الإسلام في كل شرائعه وفرائضه إنما يعد المسلم ليكون النموذج الأمثل للإنسانية والعدالة والحرية وليكون النموذج الأول في الإيمان والطاعة والعبادة والاستقامة ، في تزاوج وتكامل لا في انفصال وتعارض، عبادة منبَتة عن الحياة أو حياة سائرة بعيداً عن العبادة.
روى الإمام أحمد بسند حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: "سألت عبادة عن الأنفال، فقال: فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل – أي في الغنائم – وساءت فيه أخلاقنا" لأن بعضهم كان يحمي الرسول وبعضهم كان يقاتل وبعضهم جمع الغنائم فهؤلاء قالوا نحن أحق بها وأولئك قالوا نحن أحق بها قال: "فساءت بها أخلاقنا فانتزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقسمه بين المسلمين عن بواء" أي على سواء.
وهذا درس عظيم لا بد أن يعيه المسلمون وأن يعيه الذين يواجهون الظلم هنا وهناك، والذين يقاومون هذا الظلم، إن الأمر لله وإن الحكم لله وإن النصر إذا تنزل فإنما هو لله لا منّة لأحد لا لقوة مجتمعة ولا لقوى كبرى ولا لتدخلات إقليمية ولا أجنبية، إنه قدر الله الغالب أولاً وأخرا، وإنه لا ينبغي لنا أن نسير مع أهواءنا أو نستسلم لنزعات نفوسنا، إن لم نتطهر ونسمو لنكون مع الله كيفما جاء حكمه ولنكون على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يسير بنا ويمضي بنا كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به)، وكما قال الحق سبحانه وتعالى: { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } (الأحزاب : 36)، وكما قال جل وعلا: { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } (النساء : 65).
الذين قد يمن عليهم ونسأل الله أن يمن عليهم بالنصر والفرج القريب، وأن يزيح عنهم الغمة ويكشف عنهم الظلمة لا بد أن يتذكروا أولاً فضل الله، ولا بد أن يتذكروا أنهم لا بد أن يستجيبوا لأمر الله بعد أن قال: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ } (الحج : 39)، جاءت الآيات: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } (النور : 55).
لا بد أن نكون معتبرين وأن يكون إخواننا على وجه الخصوص الذين يواجهون هذا الظلم أعظم المعتبرين، لا ينسبون إلى نفسهم نصراً ولا ينسبون إلى تخطيطهم تحقيق النتائج، هم أضعف من ذلك وأقل، ولعلنا نرى المشهد الأعظم لرسولنا الأكرم صلى الله عليه وسلم يوم جاءه أعظم الانتصارات ودخل مكة التي خرج منها مطارداً مهاجراً، دخل مكة منتصراً على ألد أعدائه وخصومه الذين كانوا أشنع من عاداه وأقسى من واجهه، كيف دخل عليه الصلاة والسلام؟ ليس في نفسه كبر ولا خيلاء، لم يكن رافع الرأس منتشياً، بل كان مطأطأ رأسه حتى قال بعض أهل السير إن لحيته تمس ظهر دابته تواضعاً وإخباتاً لله عز وجل، بماذا بدأ وهو يطعن الأصنام وتتهاوى وتسقط: { وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } (الإسراء : 81)، ثم لم تكن عنده نفس انتقامية ولا تشفّي لشخصية وإنما قال: (اذهبوا فأنتم الطلقاء)، هكذا ينتصر المسلم فوق الانتصار المادي الانتصار القيمي الانتصار الإنساني الانتصار الإيماني الذي يرجع فيه الفضل لله والذي يفيض به الرحمة على خلق الله حتى وإن كان بعضهم من الأعداء، إن كانت ترجحت في ذلك مصلحة الإسلام أو تأليف القلوب أو نحو ذلك فإن هذا هو نهج بدر وهذا هو نهج محمد صلى الله عليه وسلم ولذلك كان بالإمكان يوم بدر أن تكون هذه الأسطورة التي انتصرت فيها القلة على الكثرة، ومن ليست عندهم أدوات وأسلحة على من عندهم من ذلك الكثير أن تكون أسطورة يتغنون بها ليل نهار لكنهم أرجعوا فضلهم لله، ويوم جاءت الغنائم أخذها الله عز وجل لحكم رسول الله: { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } (الأنفال : 1)، ليعلم الله الأمة أنها أمة قرآن وسنة، أنها أمة استمساك بكتاب الله وإتباع لهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نسألك اللهم أن تمن على أمتنا بفرج قريب، وأن تمن على إخواننا في بلاد الشام واليمن وليبيا وفلسطين وغيرها بفرج قريب وأمن دائم ورحمة عامة ورزق دار برحمتك يا أرحم الراحمين.

الخطبة الثانية:
أوصيكم ونفسي الخاطئة بتقوى الله سبحانه وتعالى في كل آن وحين.
ومن بدر إلى العشر نستقبلها غداً وفيها زاد عظيم للنصر لنا بآحادنا على نفوسنا على ضعفنا على كسلنا على انقطاعنا أحياناً لدنيانا، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما روت أم المؤمنين عائشة يعتكف العشر الأواخر من رمضان واعتكف أزواجه من بعده وأوجزت وأبلغت في الإيجاز عندما قالت: "كان إذا دخلت العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المأزر عليه الصلاة والسلام "، قال شراح الحديث: ما معنى أحيا الليل وهو يحيي الليل في كل ليلة وفي كل حال من الأحوال وليس في رمضان وحده؟ قالوا: إنه في العشر يجتهد مالا يجتهد في غيرها، ويكون إحياء الليل في غيرها بأن يخلط في الليل قياماً ومناما، وأما في العشر فيجرد ذلك الليل كله لطاعة الله سبحانه وتعالى، "وأيقظ أهله": وما أعظم هذه اللفتة أن نلتفت إلى أبناءنا إلى أزواجنا إلى قراباتنا، نلتفت إليهم لا لنشتري لهم الملابس والأكسية والأحذية لا لنعطيهم الأموال والعيديات، نلتفت إليهم لنقول لهم قوموا بنا نصلي قوموا بنا ندعو قوموا بنا نلجأ إلى الله سبحانه وتعالى كما استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة فزعاً كما في الصحيح، وقال: (ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه)، ثم قال: (من يوقظ صويحبات الحجر)، يعني أزواجه رضي الله عنهن من يوقظهن ليقمن إلى الصلاة والذكر.
ومر بنا كذلك حديث أبي داود في السنن: (رحم الله امرئ قام من الليل فصلى فأيقظ زوجه فإن لم تستيقظ نضح عليها من الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فأيقظت زوجها فإن لم يستيقظ نضحت عليه من الماء) أين نحن ونحن نرى الصفوف الأولى من الآباء وكبار السن؟ وربما نرى الشباب وهم في الطرقات ونراهم في الأسواق؟ وإذا خرج أحدنا من الحرم المكي لقضاء شيء رأى من الناس ومن الشباب ما يحزن ويؤلم، "وأيقظ أهله" لأن هذه مسئولية: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ } (التحريم : 6)، "وشد المئزر" كناية عن اعتزال النساء، والاعتكاف انقطاع عن الدنيا، ثلاثمائة وخمسة وخمسون يوماً نخلط فيها من الدنيا مع قليل العبادة أفنستكثر عشرة أيام إما أن ننقطع فيها كلها ونعتكف لمن استطاع، أو نعتكف بعضها، أو نعتكف ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم عندما تحدث عن ليلة القدر فقال: (التمسوها في الوتر من العشر الأواخر).
كم هو فضل الله عز وجل عظيم: { إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ } (القدر : 1 - 4)، سبحان الله ليلة واحدة في أيام قليلة ومحدودة جعلها الله عز وجل لنا فرصة لكي تكون أياماً وليالي لله سبحانه وتعالى تطهر فيها النفوس وتتزكى، تتجرد فيها القلوب وتترقى، تلهج فيها الألسنة بالذكر والتلاوة وتترطب، تبقى فيها العقول والأرواح والأجساد محبوسة عاكفة على طاعة الله يخرج منها العبد المؤمن منتصراً على علائق الدنيا وشواغرها، قادراً على أن يمضي إلى الله دون أن تقعده أو أن تخلد به إلى الأرض يستطيع بإذنه عز وجل أن يكون قوياً منتصرا.
كما أن في بدر بشائر النصر ففي العشر كذلك بشائر النصر ويكفينا الدعاء وما أدراك ما الدعاء، ألم يستفتح به رسول الله صلى الله عليه وسلم بدراً قبل المعركة؟ ألم يكن النبي صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال يدعوا الله سبحانه وتعالى ويستمد منه العون والنصر؟
ويكفينا كذلك في هذه العشر أن نكون أمة الطاعة والعبادة الخاضعة الساجدة الباكية بين يدي الله سبحانه وتعالى، وحينئذ تكون هي الأمة المنتصرة بإذن الله سبحانه وتعالى.
بشائر النصر نراها معاشر الإخوة المؤمنين فيما ذكرناه، وفيما يتجسد في الواقع وندعو الله سبحانه وتعالى أن يجعل العشر الأواخر رحمة ونعمة ولطفاً على المؤمنين أجمعين، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلها نصراً وعزاً وتمكيناً لإخواننا المضطهدين في كل مكان يا رب العالمين.
اللهم يا حي يا قيوم اجعل هذه الأيام تعجيلاً للفرج وتقريباً للنصر ونهاية لكل هذا الظلم والجور والعدوان يا رب العالمين.
اللهم يا حي يا قيوم احقن دماء المسلمين وأحفظ أعراضهم وأموالهم، وسلم أرضهم وديارهم، وأبسط أرزاقهم، وأبسط أمنهم ووفر أرزاقهم، ولمّ شعثهم ووحد صفهم واجعلنا اللهم وإياهم بكتابك مستمسكين ولهدي نبيك صلى الله عليه وسلم متبعين ولآثار السلف الصالح مقتفين.

المراجع

عودة و دعوة دوت كوم

التصانيف

تاريخ  أحداث  أحداث سياسية