لا يحسن بالمحلل السياسي ذي العقل البارد مقاربة المشهد السوري وفق معطيات اللحظة التاريخية الراهنة، ولا التعاطي مع متغيراته المتواصلة من منظور مسبق، يستبطن حالة رغائبية أو موقفاً قبْلياً كونته مدركات مستخلصة من مظاهر عابرة وظواهر تمر في حالة انتقالية متحركة، وعززته على مدى الأحد عشر شهراً الماضية تطورات قابلة للمحاكمات النقدية المختلفة باختلاف الرؤى والأهواء والمصالح المتضاربة.
     وعليه، يجدر بنا ونحن نقرأ الحيثيات الجوهرية، ونتابع التفاصيل اليومية المتزاحمة على الأرض، وننظر إلى التحركات الجارية على المسرح السياسي الدولي، أن نقبل سلفاً بحقيقة أن للأزمة السورية المتفاقمة منطقاً خاصاً بها، وصيرورة مستقلة عن غيرها، وأن تفاعلاتها الجارية على كل صعيد قد اجتازت نقطة اللاعودة، الأمر الذي يدعونا إلى ضرورة استشراف آفاقها المحتملة، من زاوية رؤية أن هذه الأزمة لم تعد محلية بقدر ما باتت معضلة إقليمية ودولية تخاطب قوى وأطرافاً عديدة.
     إذ في الوقت الذي يتحول فيه الحراك الشعبي السلمي، تحت ضغط آلة حربية تعمل دون كوابح، إلى تمرد مسلح يغذي نفسه بنفسه من انسداد الأبواب والانجراف والاستعصاء، تخرج المعالجات من بين أيدي قوى الصراع الداخلي، وتتجاوز ممكنات الحلول الموضوعية نطاق البيئة الإقليمية، لتدخل بقضها وقضيضها على مدار التدويل الذي أخذ يسير بخط مستقيم يفضي بالضرورة إلى نهاية تلوح لكل ذي بصيرة إمكانية رؤيتها بالعين المجردة في أفق غير بعيد.
     ولعل ما يشير إلى هذه الخلاصة الأولية، أن المنظمة الدولية قد عقدت في غضون نحو أسبوعين فقط، ثلاثة اجتماعات متتالية، سواء على صعيد مجلس الأمن أو لجنة حقوق الإنسان أو الجمعية العامة، وهي وتيرة حراك دولي لم يسبق أن تم تسجيلها في أي أزمة مشابهة، الأمر الذي يؤكد أنه تجرى على قدم وساق عملية استكمال النصاب اللازم وإعداد العدة لتدخلات دولية متدرجة، ومتعددة الأشكال، لإخراج الأزمة من عنق زجاجة طويل ومحكم الإغلاق.
     وما اجتماع "أصدقاء سورية" المقرر انعقاده في تونس يوم الرابع والعشرين من الشهر الحالي، إلا عملية إغلاق متممة للجزء المتبقي من الدائرة التي كانت تضيق مع مرور الوقت، وذلك إن لم نقل إنه بناء الرافعة اللازمة، وتكوين المظلة الشرعية الانتقالية البديلة، واستكمال ما نسميه بالنصاب السياسي الأخلاقي للشروع في سلسلة متتابعة من التدخلات المباشرة وغير المباشرة، بدءاً من الممر الإنساني، ومروراً بتلبية الاحتياجات الدوائية والغذائية الملحة لشعب محاصر، وانتهاء بدعم المجلس الوطني السوري وربما تسليح الجيش الحر.
     وهكذا، فإن الأزمة السورية المستعصية على خيار التدخل العسكري الخارجي، نظراً لضعف دافعية الدول الغربية، ومخاوفها المبررة إزاء مخاطر الوقوع في وهدة من التعقيدات غير المحسوبة، فإن المنطق الذاتي لهذه الأزمة سيملي موضوعياً نفسه بنفسه، بصورة مغايرة لما جرت عليه المسارات الليبية واليمنية وغيرها، ويشق بذاته طريقاً التفافياً قد يكون طويلاً نحو مخارج تواتي الأطراف الراغبة في التدخل بالحد الأدنى من الأكلاف، وتفي بحاجة الثوار السوريين إلى الإسناد الكافي للعبور من برزخ الصخور الناتئة.
     وليس من شك في أن نجاح الجامعة العربية، بعد طول تردد وإخفاق، في نقل ملف الأزمة السورية إلى ساحة المنظمة الأممية، وإغلاق روسيا لبوابة مجلس الأمن في وجه مبادرة كان من شأنها أن تعيد تعويم النظام الغارق في دماء شعبه، قد فتح دروباً أوسع من ذي قبل أمام عملية تدخل جراحي عميقة، يقوم بها أطباء لا يلبسون القفازات، ولا يستخدمون التخدير الموضعي، لاستئصال ما بدا لهم أنه ورم غير حميد استفحل في الجسد السوري، وطالت مضاعفاته محيطاً إقليمياً أوسع يمر بعملية تغيير شاملة وعميقة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   عيسى الشعيبي