تحت ظلال قوس ضئيل من الشعور بالحياء من النفس، واستجابة لنخزة ضميرية موجعة، توقفت عن عادة استعجال تقديم الطعام كلما تأخر عن موعده الاعتيادي، وفقدت نبرة الاحتجاج الخافتة ضد ربة البيت على انشغالها الصباحي فيما هو أقل أهمية من إعداد المائدة. بل وجدت نفسي في أحيان بلا شهية، كلما تذكرت أن المئات من الأسرى في سجون الاحتلال يكابدون الجوع.
وعندما كانت تجتاحني رغبة عارمة في التعبير عن تضامني الشخصي مع الرجال الصابرين الصامدين في مهاجعهم داخل المعتقلات الإسرائيلية، كنت أجد نفسي مفتقراً إلى الكلام الذي يرقى إلى مقام هذه الوقفة البطولية النادرة، وخاوياً من أي فكرة نوعية مضافة إلى جبال الكلام الإنشائي الجميل. وفوق ذلك، كنت أجد صعوبة بالغة في العثور على مدخل مناسب لتجديد التماثل مع هؤلاء بأضعف الإيمان.
بقيت على هذه الحالة القلقة، إلى أن وقعت مؤخراً على تقرير صحفي إسرائيلي في "هآرتس" يحتمل التصديق، يقدم على غير ما أراده واضعوه، أحد أهم الأسباب التي تكمن وراء مظاهر التضامن الباهتة طوال الوقت الطويل السابق، ويفسر كل هذا العزوف المخزي عن الاحتجاج وإشعال الشوارع بالغضب إزاء ما يتعرض له المضربون عن الطعام في معتقلاتهم من خذلان، إلا من جانب بعض الأوساط وعدد من خيام الاعتصام التضامنية المتفرقة في عدد قليل من المدن الفلسطينية والعربية.
ومع أن التقرير المشار لا يتطرق إلى ما نحن بصدده من تشخيص لأسباب هذا التخلي، وتعليل لمعطياته الواضحة، إلا أنه يقدم الحقيقة مجردة، ويبسطها بين أيدي المخاطبين بها كما هي بالتمام؛ وهي أن الانقسام السياسي الداخلي يفسر ضعف اهتمام الرفاق والإخوة الأعداء بأقران لهم وراء القضبان، لصالح اهتمامات أخرى تتصدر جدول أعمال المقاومين والمفاوضين على حد سواء.
تقول الصحيفة الإسرائيلية، إن حكومة "حماس" في قطاع غزة شكلت قوة خاصة قوامها نحو 300 مجاهد، مهمتها منع إطلاق صواريخ القسام من حدود القطاع، وأنها مخولة بإحباط واعتقال ومصادرة أسلحة المنظمات الأخرى، مثل سرايا القدس ولجان المقاومة الشعبية، ولديها صلاحية مطلقة في قتل من يقاومون الاعتقال، أفرادها يعملون على مدار الساعة، ويركبون سيارات الجيب، ويرتدون القمصان السوداء، ويتنقلون جهاراً نهاراً في مناطق التماس.
لا تتحدث صحيفة النخبة السياسية الإسرائيلية عن تعاون أمني بين "حماس" وقوات الاحتلال، على غرار ما هو عليه الحال في الضفة الغربية، غير أنها تقول بصريح العبارة إن "قوة ضبط الميدان" التابعة مباشرة لوزير داخلية "حماس"، تركز عملها في الحفاظ على التهدئة الأمنية مع إسرائيل، وتقوم بذات الدور الذي تقوم به السلطة الفلسطينية في الضفة على هذا الصعيد، وتفعل نفس الفعل المشين الذي تندد به حركة حماس آناء الليل وأطراف النهار. الأمر الذي تستنتج معه "هآرتس" أن الأولوية الأولى لحركة المقاومة الإسلامية باتت تتمثل في تثبيت حكمها في القطاع، بغض النظر عن كل ما تثرثر به عن المقاومة والجهاد. فهل بعد هذا الانفصام المعيب بين الشعارات المرفرفة وبين الواقع على الأرض، يصعب فهم سبب دواعي هذا الانصراف عن قضية المعتقلين المضربين عن الطعام، ليس من جانب المفاوضين الذين لم يعودوا قادرين على التفاوض، ولا من جانب المقاومين الذين كفوا عن المقاومة، وإنما كذلك من لدن معظم الأوساط الشعبية وقطاعات الرأي العام الذي روعه طول أمد الانقسام، وصده عن الاستجابة لنداء أمهات وزوجات وذوي المضربين المتروكين وحدهم تقريباً، في خيام الاعتصام، يجترون الحسرة، ويكابرون على جروحهم النازفة في بطون راحاتهم يوماً بعد يوم؟!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي