بدت مجموعة الاتصال الدولية التي أنهت أعمالها في جنيف مؤخراً، أقرب ما تكون إلى ابتكار دبلوماسي مراوغ، ابتدعه كوفي أنان في لحظة استعصاء شديد، هددت بفشل مهمة المبعوث الدولي-العربي المترنحة، وإسدال الستار النهائي على تلك الجهود اليائسة لإحداث اختراق سياسي في جدار أزمة سورية طاحنة، كونت لنفسها منطقاً داخلياً مستقلاً، راح يملي قانونه الخاص ويبرر ذاته على ساحة مجريات خرجت عن السيطرة.
إذ فيما كانت المساومات والمقايضات تدور بين عدد من العواصم الكبيرة بحذر بالغ وبطء شديد، بهدف إنجاز صفقة سياسية تتوازن فيها مصالح الدول النافذة، وتتقاطع عند الحد الأدنى المشترك بين مواقفها المعلنة، كانت الثورة السورية تجتاز نقطة اللاعودة، وتتقدم بوتيرة منخفضة نحو تخوم وضع تزداد فيه عناصر التكافؤ النسبي باطراد حثيث على الأرض كل يوم، وترسي المواجهات الميدانية اللافتة حقائق لم تكن من قبل في حساب أحد.
كان عامل الزمن يلعب لعبته الصارمة ضد نظام أمني مغلق، أفرط كثيرا في التعويل على فائض قوته لإنهاء موجة احتجاجات شعبية عارمة، آلت على نحو متدرج إلى حالة تمرد عسكري مسلح شامل، تجاوز فيه المنتفضون مطالب الإصلاحات المبكرة، واخترقوا دفعة واحدة سقوف الشعارات المطلبية الأولية، ومن ثمة انتظموا جميعاً، رغم تبايناتهم الفكرية، وراء هدف جامع، ينصب على إسقاط النظام بكل رموزه، وتحقيق الدولة المدنية الديمقراطية العادلة.
وإذا ما أجزنا لأنفسنا تصور الحالة السورية كعربة رباعية الدفع تسير على طريق زلقة متعرجة، فإنه يمكن لنا رؤية الجهود الدبلوماسية المبذولة من هنا وهناك، بما في ذلك مجموعة الاتصال الدولية، على هيئة عجلتين خلفيتين تدوران بسرعة سلحفائية، فيما بدت الأماميتان تعملان بقوة طاقة دفع متجددة، وتسيران بسرعة نمر مجرد من غريزة الخوف الفطرية، الأمر الذي خلق حالة من عدم التوازن والاتساق بين تروس ماكينة هذه العربة المتخيلة.
على هذا النحو بدت جهود الجامعة العربية أولاً، ومن ثم جهود لجنة أنان الدولية فيما بعد، تعالج وضعاً سورياً كان في طور التفاعل المستمر، إذ راحت هذه وتلك تحاول الإمساك بالمتغيرات الداخلية المتسارعة، وتسعى بجهد جهيد إلى كبح جماح التطورات الدامية، فيما كانت حركة الانشقاقات المتعاظمة عن الجيش، وأعداد المتطوعين المتزايدة في ركابه، تتمخض رويداً رويداً عن لاعب جديد، اخذ يفرض حضوره الباذخ في قلب معادلة صراع داخلي انفلت عقاله، وتغيرت قواعده، وانفتحت حدوده أمام سائر التدخلات الخارجية، بما في ذلك ممكنات التسليح والتمويل والخدمات اللوجستية.
هكذا بدت لجنة الاتصال الدولية في اجتماعها الذي قد يكون يتيماً، وكأنها في وضع من هو خارج تغطية شبكة الهواتف المحمولة، أو قل كمن لديه خط تلفون منزلي مفصول عن الخدمة، الأمر الذي بدت فيه نتائج مؤتمر جنيف كفقرة مرتجلة من خارج النص، حتى لا نقول إنها بدت كخبز تعفن في وعاء متروك، لن يقبل عليه نظام آيل للسقوط يحارب تحت شعار "الأسد أو خراب البلد"، ولن يشتهيه في المقابل ثوار صنعوا بدمائهم وعذاباتهم ما يشبه المستحيل، وحققوا في زمن الربيع العربي إعجازاً يماثل المعجزات الأسطورية في الميثولوجيا الإغريقية.
وعليه، فإن الابتسامة الضارية التي أطل بها الوزير الروسي سيرجي لافروف من المنتجع السويسري الشهير عقب الاجتماع اليتيم، وكاد يؤطرها في برواز من الخشب المعشق بماء الذهب العتيق، من المرجح لها أن لا يطول بها المقام كثيراً حين يدرك المؤتمرون والمتآمرون في جنيف، أن قطار الثورة السورية قد عبر معظم المحطات، وشارف خط النهاية الوشيك، دون أن يحفل بهذا الهذر السياسي هنا، وتلك الرطانة الدبلوماسية هناك، ومن غير أن يتوقف برهة في مساره المستقيم عند أنصاف الحلول مع أكبر قاتل للأطفال في التاريخ الحديث.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي