ليس لدي أدنى شك في أن حركة حماس بريئة من ذلك الفعل الإرهابي الذي أودى بحياة ستة عشر جندياً مصرياً وهم يتناولون إفطار يوم رمضاني قائظ وطويل. ولا يعوزني انتظار أي تحقيق مهني جاد، كي أبصم من الآن على بياض بأن الحركة الإسلامية في غزة المتآخية مع الرئيس المصري في القاهرة، ولا يمكن أن تسمح لنفسها بتحدي الأخ الأكبر، أو التشويش عليه، وهو لم يلتقط أنفاسه بعد في قصر العروبة، فما بالك وهي التي أقامت الأفراح والليالي الملاح، بل وأطلقت زخّات الرصاص، احتفالاً بوصول محمد مرسي إلى سدة الحكم في أقرب الديار.
غير أن إعلان براءة "حماس" المؤكدة من تلك الفعلة الإرهابية النكراء، وإظهار كل ما من شأنه بيان طهارة يدها من دماء الضحايا المصريين، يحتاجان إلى ما هو أكثر بكثير من القسم بأغلظ الأيمان، وإقامة العديد من خيم العزاء، وإصدار مطولات بيانات الشجب والاستنكار، حتى تتمكن هذه الحركة التي تعتبر نفسها ربة البيت في القطاع المحاصر، من درء فيض من الاتهامات المبيتة، واتقاء النيران الموجهة عن سابق عمد وترصد، ليس فقط إلى الحركة المنتشية بفوز إخوانها في مصر، وإنما أيضاً إلى حكم المرشد الماضي في "أخونة" البلاد والعباد.
ومع أن هذه الواقعة الإرهابية العمياء تستحق إبداء أشد مظاهر الغضب على سائر المستويات، إلا أن ردود الأفعال السياسية والإعلامية المصرية المتصاعدة بوتائر عالية ضد هذا الاستهداف الفظ للكبرياء والجيش والنظام، تبدو كمعركة تصفية حسابات داخلية، عاجلة ومفتعلة، مع الجماعة التي كانت محظورة حتى الأمس القريب، فإذا بها تتسيد الواجهة وتحاول الاستئثار بسائر المرجعيات، والاستيلاء على مفاصل الدولة العميقة التي لم تستسلم بعد لاستحقاقات صندوق الانتخاب.
في الطريق إلى النيل من شرعية حكم الإخوان، ووقف زحفهم على مفاصل النظام الذي لم يتبدل إلا على مستوى الرأس، بدت هذه الفعلة التي تكررت في السابق على هذا النحو أو ذاك، فرصة سانحة للضرب على يد مرسي الضعيفة في غزة، والتهويل على عموم المصريين من عقابيل إرخاء الحبل للحمساويين المستقوين بحكم أعمامهم في القاهرة وغيرها من عواصم الربيع العربي، وذلك بسوق التهم الجزاف للغزيين كافة، بل ولسائر الفلسطينيين الموصومين دائما بتهمة الإرهاب.
إذ تبدو الهجمة الإعلامية المصرية الكاسحة ضد حكم "حماس" في قطاع غزة، والحملة السياسية الواسعة لتحميل الغزيين وزر هذا الفعل الإجرامي في سيناء، دربا التفافيا قصيرا، لتشديد النفير ضد الرئيس المصري الذي وعد بتسهيل إجراء المرور من معبر رفح، وتخفيف الحصار، وتزويد غزة بالكهرباء، وهو الأمر الذي خلق موجة عداء متنامية لغزة خصوصا وللفلسطينيين عموما، وصلت حد المطالبة ليس بإغلاق الأنفاق فقط، وإنما سد باب العبور اليتيم إلى العالم، وإدارة الظهر لقضية فلسطين.
غير أنه إذا كان من الصحيح تماماً أن "حماس" بريئة من دم الجنود المصريين، فإن من الصحيح أيضاً أن هذه الحركة الإسلامية المستميتة على حكم غزة، بكل ثمن، هيأت بدون قصد منها بيئة سياسية ملائمة، ومناخا مواتيا، لتحويل القطاع المعزول إلى ما يشبه المستنقع الصالح لنمو الطحالب في القاع، وتفريخ التطرّف، واحتضان الغلو، وسط احتدام اجتماعي، واقتصاد أسود، وأنفاق ومليونيرات جدد، وكل ما من شأنه جعل غزة بيتاً يتسع لمنظمات الأشرار وأمراء الظلام.
إزاء ذلك كله، فان مسؤولية حركة حماس اليوم تبدو أثقل وزناً مما كانت عليه بالأمس، لفض الالتباسات حول مشروعها الانفصالي الذي وقع في مرمى نار صديقة، لاحتواء هذه الموجة العكرة الموجهة ضدها وضد القطاع الذي لا ظهر له إلا في عمقه الفلسطيني، وذلك بإجراء المراجعات العميقة، والقيام بالمقاربات الصحيحة، لنهج التفرد الذي طال، والكف عن اجترار الأوهام، بالعودة إلى خيار المصالحة، وإنهاء الانقسام، باعتباره الخيار الأوحد لجب كل الاتهامات الظالمة، وفتح كل الدروب المغلقة عليها بإحكام.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي