دعونا نتخيل، لبرهة قصيرة، ماذا لو أن جدول أعمال أول جولة خارجية للرئيس الأميركي باراك أوباما، في مطلع ولايته الثانية، اقتصرت على إسرائيل وحدها؟ ما هي الرسائل التي كان سينطوي عليها تجاهل أوباما، أولاً، للفلسطينيين الرازحين في صقيع عزلة إقليمية خانقة، وثانياً للأردنيين الذين يكابدون مخرجات ربيع محيط، ومصاعب تطبيقات مرحلة إصلاحية بدت الولايات المتحدة إزاءها متشككة، وأحياناً غير مقتنعة بجدية هذه الإصلاحات التدريجية؟
أحسب لو أن رئيس أقوى قوة على وجه الأرض تجاهل هاتين المحطتين العربيتين المسكونتين بالتوجس الدائم حيال الحسابات الإقليمية المعقدة للولايات المتحدة، والمهمومتين بتحولاتها الدولية الغامضة، لقامت قيامة المسؤولين والمحللين والمواطنين ضد ما يمكن أن يُقرأ بحق على أنه أكثر من تجاهل يفيض عن حد ذاته، ليؤسس افتراضاً له ما يبرره، بأن تبدلاً حدث في الرؤية الأميركية لمستقبل هذا الجزء من شرق أوسط يمر بمخاض جيو-سياسي عسير. إلا أن أوباما قلب كل الافتراضات المسبقة، وفعلها بنفسه.
وعليه، يحسن بنا أن نقارب جولة الرئيس الأميركي بمعزل عن خيبة الأمل لدينا من ضآلة نتائجها الفورية، وأن نكف عن تدبيج قصائد الهجاء حول مفاعيلها التي صبت مباشرة في صالح إسرائيل، في صورة دعم لا حدود له، اعتادت أميركا على بذله بسخاء لصالح حليفها الاستراتيجي؛ وأن ننظر، في المقابل، إلى النوافذ الصغيرة، والفرص والرسائل الإيجابية التي انطوت عليها كلمات أوباما في محطاته الثلاث، بكل ما حملته من وعود وتطمينات ومساعدات، كان الفلسطينيون والأردنيون في أمسّ الحاجة إليها.
لقد تعمد الرئيس الأميركي خفض سقف التوقعات لهذه الجولة سلفاً، وبدا وكأنه أتى سائحاً خالي الوفاض، لا هم له سوى استرضاء إسرائيل، والاعتذار لها عما ساد من أجواء سلبية وسوء فهم وبعض التلاسن خلال ولايته الأولى. وفوق ذلك، بدا أن الموضوع النووي الإيراني، والأزمة السورية الدامية، هما البندان الوحيدان على جدول أعمال القادم من أميركا، فيما المسألة الفلسطينية تقع في ذيل قائمة اهتمامات رئيس صعد بالفلسطينيين إلى أعلى الشجرة، ثم سحب السلم وتركهم لعامين طويلين في صقيع العزلة.
والحق أنه عندما تخلى الرئيس أوباما عن تعهداته، وأدار ظهره للفلسطينيين دفعة واحدة، نزلت قضيتهم عن أجندة الاهتمامات العربية والدولية، ودحروا سياسياً، وحوصروا على نحو أدهى، وصار مستقبلهم أشد التباساً مما كان عليه في أي وقت مضى؛ الأمر الذي يبرز بصورة كافية أهمية استعادة هذه القضية من فضاء الحس الموحش بالعزلة، وانعدام اليقين، وثقل وطأة التطورات غير المواتية، وانسداد الدروب، وقلة الخيارات، وسقوط الرهانات، وغير ذلك الكثير مما حفلت به سنتان غاصتان بمظاهر ضمور المشروع الوطني الاستقلالي الفلسطيني.
صحيح أن الرئيس أوباما كان هذه المرة شحيحاً في وعوده قياساً بتعهداته السابقة، وكان مراوغاً على نحو أشد مما كانت عليه فيما مضى كلماته الطافحة بالأمنيات الكبيرة والمفردات الواضحة، إلا أنه نجح في رفع سقف الآمال العربية والفلسطينية، وأعاد الاشتباك مرة أخرى مع تعقيدات القضية المركزية، ووضع حل الدولتين الذي كاد يسقط عن الطاولة على جدول الأعمال، مجدداً التزام الولايات المتحدة بشكل كامل بإنشاء دولة فلسطين المستقلة، ومؤكداً أن الشعب الفلسطيني يستحق إنهاء الاحتلال، كما صرف لهم نصف مليار دولار.
نحن لا نود أن ننفخ في بالون هذه الزيارة التي سيكون لها ما بعدها، ولا نرغب في المقابل أن نهوّن من قيمتها. نحن ننصح بقراءة مفرداتها المتفرقة بعين المراقب الذي يلتقط التفاصيل الصغيرة، مثل مشهد الاستقبال الرئاسي في رام الله؛ ويتمكن من رؤية الصورة البانورامية بعين حصيفة، ومحاكمة الوقائع بلا آراء مسبقة. فقد نال كل من خاطبتهم هذه الزيارة قدراً متفاوتاً من العوائد والمراهم المناسبة لجراحاتهم المقيمة. إذ فاز الإسرائيليون، كالعادة، بحصة الأسد، فيما نال الأردنيون والفلسطينيون حبتي مسك، وكذلك حظي السوريون والأتراك بالترضية، وأكل الجميع كعكة قد لا تشبع، ولكنها تقي من جوع.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي