أن يبلغ الإنسان، رجلاً أو امرأة، أواسط العقد السابع من عمره، وهو ما يزال بصحة جيدة، فذلك من تمام النعمة عليه وحسن العاقبة له؛ إذ يمكن لهذا المتمتع بالعافية تأدية دوره في مفاصل الحياة معتمداً على ذاته، والقيام بواجباته الشخصية على أحسن ما يرام. ففي هذه المرحلة من العمر، تكون التجارب الشخصية والمعارف المكتسبة قد زودته بفائض من الخبرات والعظات، ومنحته قدراً كبيراً من الرشاد والحكمة.
على أن ما ينطبق على الأفراد في خريف العمر، قد لا ينطبق بالضرورة الحتمية على الدول التي يقاس أمدها بمئات السنين في العادة، تتوارثها الأجيال المتعاقبة، وتراكم على بناها التحتية والفوقية. فما إن تجتاز الدولة صعوبات النشأة، وتكتمل مقومات النظام السياسي لديها، من مؤسسات وأجهزة، وتنال الاعترافات اللازمة، حتى تدخل عضوية المجتمع الدولي على قدم المساواة مع غيرها؛ تؤدي قسطها المقرر من الالتزامات، ولا تحوز ما لها من حقوق مستحقة إلا إذا أخضعت نفسها للقانون الدولي، وبرهنت على ذلك بالأفعال والقرارات المتسقة مع مقتضيات عضويتها الأممية.
أسوق هذه المقدمة المطوّلة من أجل إجراء مقاربة مع الحالة الإسرائيلية الشاذة، وذلك بمناسبة بلوغ دولة المشروع الصهيوني هذه الأيام سن السادسة والستين، أي وصولها إلى ما يفترض أنها مرحلة النضوج والحكمة، لنرى ما إذا كانت إسرائيل، من وجهة نظر ضحاياها، قد اجتازت سنوات الطفولة السياسية، وتخلصت من أعراض المراهقة، ثم دخلت بعد ذلك زمن اكتمال الشخصية المؤسسة لعهد الكهولة السوية، أسوة بمراحل النمو والتطور الملازمة لكل دولة عادية.
إذ تبدو إسرائيل في عيون أعدائها، وبعض خصومها وأصدقائها، دولة تعيش أسيرة ذهنية يهودية مفعمة بآلام النفي والاضطهاد والحصار، غير قادرة على التخلص من ربقة ماض تاريخي أنتج، ثم أعاد إنتاج عقلية "الغيتو" بتطبيقاتها الراهنة. الأمر الذي جعلها مغلقة الحس، وعديمة الرؤية، تميل إلى الانطواء على نفسها، متكئة على قوتها والعيش تحت ظلال حد سيفها. وبسبب ذلك، تبدو إسرائيل دولة مصابة بالرهاب الغريزي، تفرط في الانتقام ضد من تستضعفه، ولا تعرف حدوداً لطيشها، العسكري والسياسي معاً.
كما تبدو إسرائيل القابضة على كل عناصر القوة المجردة، دولة لا تثق بنفسها، ولا حتى بأهم حلفائها على الإطلاق؛ تستريب بكل تحرك دبلوماسي، حتى وإن أتى من جانب وليّ نعمتها الأميركي؛ تتجنب الإقدام على أي مخاطرة محسوبة، وتوصد الأبواب على ذاتها. لذلك، فهي ترغب دائماً في الظهور بمظهر الضحية، وتختلق لنفسها أخطاراً مصيرية، وتستدعي ذكريات الإبادة؛ ليس من أجل الاستثمار في الخوف من الكارثة فحسب، وإنما من أجل تغذية ترسانتها الحربية، وتعزيز مشاعر الاستعلاء والعجرفة، والتبتل في محراب القوة العسكرية.
لذلك كله، تبدو لنا إسرائيل وهي في السادسة والستين من عمرها، أشبه ما تكون بمراهق سريع الغضب، أو قل ولداً مشاكساً أفسده طول الدلال المفرط؛ يخرج عن طوره بتلقائية، ويعاند ذويه بعصبية. فهي إن لم تجد من تختصم معه، وتعاديه وتستعلي عليه، تبحث عنه في أدراجها القديمة! فإن لم تعثر عليه، تأتي به من بنات أفكارها المريضة؛ تهول به على نفسها، وتبالغ في تشخيص عوامل أخطار قوته الكامنة، لعلها تستدرجه من العالم الافتراضي إلى ملعبها المفضّل، أي ملعب الحرب، وتتبارى معه في النسق نفسه.
ولكي لا نطيل إمعان النظر في هذه السمات الإسرائيلية الخاصة، ونستحضر الكثير من الماضي الذي لم يمض بعد، نكتفي بالتساؤل عما هو المزعج لآخر دولة احتلال على وجه الأرض في انضمام فلسطين إلى عدد من المعاهدات الدولية، إن لم تكن حالها مثل حال ذلك السارق الذي يخشى افتضاح أمره؟ وما الذي يضيرها حقاً في قول الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في سابقة غير مسبوقة، إن "الهولوكوست" أكبر جريمة في العصر الحديث؟ وما الذي يسوؤها في إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني، إن لم تكن هذه الدولة المتهورة عادةً في استخدام القوة، جبانة في رؤية نفسها، وجبانة أكثر في التعرف على صورتها في مرآة كل من يحيطون بها؟
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد عيسى الشعيبي