رابية خضراء مطلة، تقودنا إليها طريق صاعدة مسماة بطلعة السكر في آخر الغرب من منطقة خلدا، يقع بناء سكني محاط بالأشجار الخضراء العالية المتكاثفة وبجواره عيادة طبية، لا يستدل عليها إلا من يعرفها، غير معرفة بلوحات إرشادية، إلا أنها أشهر من نار على علم بسبب انتشار سمعتها الطيبة، يديرها طبيب فاضل اعتلى عرش السبعين عاما وأمسك بعروة الثمانين، فهو من رجال نذروا حياتهم وعلمهم ومعرفتهم وثقافتهم للذود عن حياض الوطن وتمتين سياج منعته بالشرف والمروءة والحفاظ على أركان وأسس ودعائم قيمه وعادات وتقاليد مجتمعه، المغذاة أصلا بالعقيدة السماوية الإسلامية السمحة.

عيادة الدكتور نزال السكر((ممتلئة))على مدار اليوم بالفقراء والمعوزين وأصحاب الفاقة، الذين أُفرغت أيديهم وجيوبهم من المال وغزتهم الأمراض والأوجاع ، فوجدوا عند هذا الطبيب الإنسان الذي لا يبتغي إلا الله والأجر والثواب منه كل عوامل الخير الإنسانية، يداويهم ثم يعطيهم العلاج ويودعهم بالمحبة والرضا ، وهم ممتنون تغبطهم السعادة التي تنسيهم شدة الأوجاع، فهذا الطبيب الإنسان هو من رجال ألزموا أنفسهم بعهود لإنجاز أنبل الأهداف وأشرفها بأداء رسالتهم الإنسانية المثلى التي تفوق كل رسائل الحياة وهي مواساة المريض بالعلاج بحنان الأم وشفقة الأب وابتسامة الرضا الصادق.

حري بهذا الوطن أن يكرم المخلصين من أبنائه الذين لا يتوقف عندهم العطاء، هذا الطبيب الإنسان هو بحق رائد أهل الهمة، فهو كالسفر الخالد الذي يجمع كل العلوم النافعة لبني البشر والذي يهتدي الضال بنور حروفه ومعنى كلماته وصدق مضمونه، صافٍ من الشوائب، لا شبيه له بذلك إلا رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فهو جوهرة في بيت كل فقير ومحتاج، وفكر عميق في بيت كل ذي علم عليم، ووسام شرف على صدر كل وطني صادق منتم لبلده وأمته ومليكه.

هذا الطبيب الذي غابت عنه الأضواء؛ لأنه لا يبتغي من وراء أعماله شهرة زائفة، لأنه من جهابذة الأمة وقادة الفكر وأهل العلم، الصانعون من أنفسهم قدوة، تزهو بهم الأجيال المتعاقبة، الذين بهم وبأفعالهم وممارساتهم النبيلة، ينمو ويكبر الوطن، والذين هم في سيرتهم وأدب نشأتهم وغزارة علمهم ينابيع عطاء وفضيلة، تضخ في عقول أجيال صاعدة؛ لتجبلهم بالأخلاق والأدب الذي لا ينضب معينه.

الدكتور نزال السكر ليس بحاجة الى تكريم ، ولكن من الواجب علينا وعلى الدولة أن تكرم معنويا مثل هؤلاء أصحاب العمل الدؤوب الصادق الصامت لأنه الصورة النقية للعربي الشهم الأصيل الذي أعزه بالعلم والإنسانية والحنو على الضعفاء والفقراء، وسار في شرايين دمه ونبضات قلبه الولاء والإنتماء لهذا الوطن العفيف ولأهله الكرماء، وميزه بالعطاء الموصول بالكرم والسخاء يعطيه دون منة.

وفي الختام لا نريد شهود على هذا كله فخير شاهد هو الله والعمل الصالح والضمير الحي، ومن أراد أن يعرف المزيد فالعيادة مفتوحة أبوابها، ولكن أولوية الدخول هي لذوي الحاجة الإنسانية، لمن لا يملك مالا للعلاج.

حمى الله الأردن وشعبه ومليكه.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عبير الزبن   جريدة الدستور