ذكرى عيد الاستقلال، والذكرى تنفع المؤمنين، مصداقا لقوله تعالى (وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين ) وهذه الذكرى الخالدة صنعتها دماء و أرواح الشهداء و أقلام الأحرار وأفكارهم وسداد رأيهم و صلابة قرارهم، الذين أخلصوا لدينهم و بلادهم دون نفع ذاتي يرتجى، أو رياء ونفاق يهمس في الأنفس و يداعب خلجات القلوب.

الكلام في ذكرى الاستقلال لا تمله الأسماع، لأن وقع كلمة استقلال، ألذ وأعذب من سماع القصيد والنشيد، وألذ عاطفة من تمتمة أم تحتضن طفلها، وأرق حنينا من انتظار والد حنون للغائب من فلذات الأكباد، وأشهى على النفس من قطف الورود في أيك الصبا مع نسمات الفجر و قطر الندى.

في ذكرى عيد الاستقلال في هذا العام تحديدا، وبعد مرور عامين ونيف على الربيع العربي المشؤوم، ينهض الأردنيون جميعهم،معا و في وقت واحد، (نظام حاكم و شعب محكوم) يدا بيد، مكبرين الله و متعاهدين على حماية الوطن و تماسكه وتلاحمه، يؤدون فرضا أتى من السماء، وعهدا قطعوه على أنفسهم وفاء وعرفانا بالجميل لبناة الوطن عبر العقود.

في ذكرى الاستقلال هذا العام، حين حوصر الأردن، من الأصدقاء و الأعداء في آن، كل له غاياته ومراده من هذا الحصار، وحين تنكر للأردن من كان يوما في سالف الزمان لا شيء، وجعله الأردنيون كل شيء، قووا له زنده، وغذوا له فكره، وأطلقوا له لسانه، فأصبح كائنا حيا عصريا يصلح للحياة، بعد أن كان منسيا وجوده في هذا القاع الممتد من جغرافية الكون الطبيعة والأنسانية.

في ذكرى الاستقلال نقول لمن صم أذنيه عن السمع ولا يريد أن يسمع، أن الاردن قوي عزيز، وأهله اهل كرامة وشهامة، لا نقولها غناء و حداء، بل نقولها بقلوب المؤمنين الصادقين الصابرين، فإن وضع الصالحون قبلنا حجرا على البطون، فنحن بهم مقتدون، وسنجتاز الأزمة بالحكمة و حسن التدبير، و كم من الازمات عصفت و نجى الاردن، وكذلك بعون الله ينجو.

لا نريد التضامن مع من يريد إركاعنا لغاية في نفسه، ولا نريد التضامن الشكلي بتقديم الفتات الزائد عن متعهم و حاجاتهم، ولا نريد منّة و جميلا من أثرياء نراهم و نسمع عنهم يجوبون بلاد المشرق و المغرب في طوله و عرضه، لينفقوا أموالا ليست من كدهم وجدهم و اجتهادهم و عرق جبينهم، بل هو عطاء الله سكبه في جوف أرضهم.

نحن في المملكة الاردنية الهاشمية نفخر باستقلالنا، و نحتفل به أغنياء لا فقراء، لأن هذا الاستقلال جاء انتزاعا، حين آمنا وعملنا بالهدي الرباني (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ) فكان الاستقلال ناتج دم شهيد و أزيز طائرات و قصف مدافع و تكبيرات الله أكبر، فارتفعت الراية و عزف النشيد، انتصب الجنود وارتفعت الهامات، وارتديت الكوفية الحمراء على رؤوس الذكور و الإناث.

نحن أهل الربيع الحقيقي، نفرح حين يعشقنا الفرح، و نغضب حين يستنصرنا الوطن لأننا أهله، درجنا على أرضه و ترابه، وتغذينا على نباته و عطائه،ننظر الى الأم الطاعنة في السن أنها أم كل الاردنيين، وننظر الى الاب الطاعن في السن أنه والد كل الأردنيين، كبيرنا يحنو على صغيرنا، وصغيرنا يوقر كبيرنا، هؤلاء هم الاردنيون يا عرب.

الرحمة لمن كانت أرواحهم في عليين، و الرحمة لأرواح البناة، و الانحناء لله ثم للقابضين بزنودهم على السلاح، يحمون الوطن و يدرءون الخطر، في حر القيظ و زمهرير البرد، لا يساومون لا بيع ولا شراء، تجارتهم رابحة، عزة الوطن و قدسية أرضه، و تحية للعيون الساهرة في الأجهزة الأمنية كافة، الحالمين وقت الغضب، الصابرين الكاظمين للغيظ، و تحية إجلال و إكبار لهذا الشعب الواعي المثقف، المتماسك متين النسيج العصي على الاختراق، و أدام الله العرش الهاشمي ظلا لكل الأردنيين، الذين جعلوا من أنفسهم شهداء الأمة و سدنتها شرفا لا يعلوه شرف،و هذا ديدنهم منذ عرفهم التاريخ و عرفتهم الشعوب، فهم فخرنا و اعتزازنا، و عنهم نذود المنايا حبا و طواعية و عرفانا لهم بالجميل.

حمى الله الأردن وشعبه ومليكه


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة   عبير الزبن   جريدة الدستور