مؤتة التاريخ ، فجر الاسلام في بلاد ما بعد الجزيرة ، أرض الشهداء القادة الاربعة و صحبهم ، الذين حمحمت خيولهم فأرعبت الروم ، و قعقعت سيوفهم فأعلت راية الاسلام و هدمت معنوية الاعداء ، فهي أرض الطهارة من يومها و حتى تقوم الساعة ، أرضها حناء مخضبة بدماء لونها لون الدم و ريحها ريح المسك .
تعودنا الاستماع و الاصغاء بلهفة ورغبة و بثقة و اقتناع الى الصوت المجلجل كما الرعد ، يبشر بالغيث المنهمر ، صوت الحسين بن طلال طيب الله ثراه ، على منبر العلم و مصنع الرجال على أرض مؤتة الجناح العسكري ، أرض ذو الجناحين جعفر ، فقد حباها الله إنها أرض الاجنحة ، يخاطب الحسين شعبه ومن بعدهم العالم كله ، واصفا الاحداث الجاريات و كيف هي سبل النجاة لكل مأزوم حائر ، فكان منبر مؤتة على لسان الحسين منبر الحق و القول الفصل .
وعلى نفس الخطى جاء عبدالله الثاني ابن الحسين ، فبزغت شمس كان الجمع كلهم بانتظارها ، لتزول الظلمة وتتضح الرؤيا ، ويَميز الخبيث من الطيب ، و تدخل الدفء و الامن الى نفوس تلهث من العناء و التعب و شدة التفكير بالمجهول ، فترتفع المعنوية بالهامات الشامخات التي كادت أن ، و تلتئم الجراح التي أصابت الجسد الواحد و التي كادت أن ، و تلم الُلحمة و تمتن النسيج الذي كاد أن ، في هذا الخضم الهائج من أحداث العالم عامة و الاقليم خاصة ، فقدر الله و ما شاء الله فعل ، فاستبشرت الجموع خيرا ، و عسى هذه البشرى تدوم .
أي ملك سجله التاريخ ، و أي رئيس دولة ، نادى بالثورة و هو على رأس الحكم ، سوى عبدالله الثاني ابن الحسين ، غير هياب و لا وجل ، واثق غير متردد في نطق حروفها ، لامست أسماعنا و خاطبت عقولنا و انغرست بالقلوب ، معطرة أربع ذكريات معا ، هن سر حياتنا و وجودنا ، الاستقلال و الجلوس و الثورة و الجيش .
ثورة بيضاء للاصلاح الشامل ، السياسة و الاقتصاد و الامن و الاجتماع ، فإرادة التغيير صادقة واثقة من لدن جلالته ، فأين أنتم يا من أوكل اليكم مسؤولية التنفيذ بتسارع دون مماطلة تفتح الباب لكل مبغض حاقد ، و أين أنتم أيها القادرون على ترجمة هذه الافكار على أرض الواقع ، انهضوا و اصدعوا لهذا النداء .
بعد هذا الخطاب ما عدنا نسمع خطابات التنظير ،ولا ادعاء المواقف الوطنية، فساحة الاصلاح واسعة مباحة مسموحة الدخول ، لم يكتب على باب من ابوابها، ممنوع الدخول شريطة الشفافية و الصدق و المنهجية في افكار الاصلاح ، و أن الهدف هو الوطن و النجاة به من كل حيف .
نداء الملك لكل ابناء الوطن ، أن نسير معا ، بيدنا راية الاصلاح مرفوعة ، و بعقولنا المناهج مرسومة ، و بقلوبنا الايمان و الحب و العزم منحوتة ، فلا تشكيك بعد اليوم ، فأن كان من تقصير و تخاذل بعد ذلك فلوموا أنفسكم ، ولا تلقوا باللوم على من لا يلام حين فتح الابواب مشرعة للاصلاح .
سقطت كل الشعارات بعد خطاب مؤتة ، فمن ألبسوا العشائر أثوابا غير أثوابها ، فقد بهتوا وخابوا و خابت ظنونهم ، و من حرك العنف في الجامعات و المجتمعات رد كيده الى نحره ، و من تطاول على القانون و أمعن في التمادي سمع الجواب ، فلا أحد أقوى من الدولة و هي قادرة على فرض سيادة القانون .
من أراد أن يساوم و يقايض على فقر الاردن و حاجته و عوزه ، و يجيرها الى مواقف سياسية تخدم أهدافه و مآربه ، فقد عمي بصره و ما قرأ التاريخ،وعلم أن الاردنيين لا تلين لهم قناة ، و أنهم الاوائل في العزة و الشهامة و إقراء الضيف وإن كانت بهم خصاصة .
خطاب جلالة الملك المعظم به الكثير الكثير ، فهنيئاً لمن اتعظ ، فما عدنا نقبل بيننا مزاودا على وطنية ، أو مدعيا متشدقا بكلمات (الشعب يريد) فسيد البلاد نطق بما يريده الشعب ، وأغلق الابواب على كل عابث مندس مبتور مأجور.
حمى الله الاردن وشعبه و مليكه
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور