انعكست المفاهيم في هذا الزمان، فأصبحت هوامش الأمور أفضل من جوهرها، والنقاش والحوار والجدال في هراء الحديث سيد الموقف، والإعجاب والتعجب والتأمل بالقشور، ألوانها وأنواعها طغت على متعة الاستمتاع باللب واللباب، لا بل رمي به في سلة المهملات.
كل ما كان قائما متينا من مقومات أمة العرب، رأيناه رأي العين ليس حلم من أحلام اليقظة، ( هدم ) وأضحى الفخر والافتخار والمباهاة بهذا الهدم شعارا يرفع على الرؤوس فوق الجباه وأوسمة تعلق على الصدور، وأمسى الماضي المجيد والبناء التليد عيبا معيبا، قتله حلال وإبقاؤه حرام وخزي وعار، فمن أين جاء هذا البلاء ؟ بلاء عم الديار و سيطر على الافكار، فسادت الفوضى في كل أرض الضاد من محيطها إلى بحرها مرورا بصحرائها .
من قال ومن توقع أن الرمال في الصحراء تنبت المتفجرات، تنمو و تعلو أحزمة ناسفة تقتل أهلها ؟ فصحراء سيناء الوادعة على أهلها، الهائجة على أعدائها تفعل كل هذه الأفاعيل، هل هو آخر الزمان
| | أو هو فعل الخبثاء و الشياطين الذين عجزوا عن غزوها، فعبروها بالفتن و شراء الذمم .
من قال و من توقع أن الصحراء الاردنية، تزرع بها المفاعلات النووية، ليقتل من تبقى من أهلها بغازات السموم، بعد أن قتلهم الظمأ والعطش وندرة الماء، و استبدل نقاء هوائها و صفاء أجوائها و روائح نباتها ببرك المياه العادمة، التي ستجر لها و تستقر في جوفها و أحشائها و بين جنبات أضلاعها، و يتباهى القائمون والمخططون لمشاريع الموت فيها أنهم مدعومون من بعض أهلها، فعسى هذا التباهي بالدعم يكون سرابا كالظمآن يحسبه ماء، وهكذا بإذن الله سيكون .
أستبدل الاعجاب بالقيم والعادات والتقاليد، المغذاة بالعقيدة والمغموسة بالشرف والمسيجة بالشهامة، بالإعجاب بالشعارات الزائفة الرنانة المفرغة من كل جوهر، الفاقدة لكل معنى، ليس بها فكر هادف لفعل خير، ولا في مضامينها منطق، يرفضها العقل السليم و ينكرها كل إنسان راشد غيور حكيم .
ماذا استفادت أوطان العرب من هذا الاعجاب بالشعارات ؟ الحرية و الديمقراطية وحقوق الانسان، كما تفهما بلاد الغرب، الامريكان والفرنجة، التي صدروها مستغلين الاجيال الحالمة بالخيال، إن جنان النعيم في الدنيا و جنان الخلود في الاخرة تكمن بالإيمان بها و الاعتقاد الراسخ بتطبيقها، فقلبوا المفاهيم و غسلوا الادمغة، و نجحت صفقات البيع و الشراء، بتحريم الحلال و إحلال الحرام، فخسرت الامة العربية أكبر و أقوى و أعظم طاقاتها و هم الشباب، الذين لو وقفوا في صف بلدانهم ضد أعدائهم لهزموهم، فكانت عندئذ الدنيا و نعيمها و جنان الاخرة و خلودها . لقد أطاح كل من آمن بالشعارات الزائفة و نفذ أوامر المختبئين وراءها، أطاح بكل ما كان قائما، قويا و متينا، فأين الامن و الامان و الاستقرار الذي كانت تغفو عليه عيون أهل الكنانة، وأين الامن و الشهامة العربية التي تربى عليها أهل الرافدين، و أين الوداعة و حسن الضيافة في أرض الشآم، وأين السعادة الموصوفة في اليمن السعيد، وأين تونس الخضراء الهلالية .
الشعارات الزائفة المستوردة، ومع كثرة العاشقين لها، منهم من كان مشترى، و منهم من كان مضللا مخدوعا، و منهم من كان أميا في حب الوطن، أطبقت على دماغه الجهالة، و منهم من كان حاسدا حاقدا منتقما لفقدان منصب، ومنهم من كان حالما في رئاسة أمة، و منهم من اصطادته شبكات التآمر الاقليمي المذهبي و الطائفي، و منهم من كان من ضعاف النفوس المؤلفة قلوبهم، هؤلاء جميعا سيكونون السبب الرئيس في وضع الاوطان على خرائط التجزأه و التقسيم، و إعادة تشكيل خرائط
سايكس/ بيكو الجديدة، لكن على أبشع ما يتصوره الخيال، والذي سيكون مصدر الامن و السعادة لأعداء الامة التقليديين الحالمين بهذا أن يكون، ولكن الله هو القادر لما يكون (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (2) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (4) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (5).
لنفرض جدلا، و الافتراض يلجأ إليه عند عدم وجود الحقائق، أن الحراكات الشعبية سليمة في أهدافها، سلمية في وسائل إيصال مرادها وأفكارها، فما الذي حرفها عن سلميتها و حولها إلى عنف و إرهاب مسلح، وأشعل نيران الكراهية الطائفية، وأصر على التدويل، ذريعة منه لضمان عدم الحلول، إنها غايات مخبوءة بدأت بالظهور للعيان بما لا يقبل الشك، إعادة رسم الخرائط و حفظ أمن إسرائيل للأبد، و تنصيبها قوة كبرى لا تجارى بين دول الاقليم .
فيا أيها الحالمون بالربيع العربي، اطرحوه جانبا، و أقتلوا شعاراتهم المزيفة، و ترفقوا بأوطانكم، لا تصلوا لمرحلة عض الاصابع تعبيرا عن الندم، إنها مؤامرة كونية أحيكت بأحكام، على أمة الضاد و أهل القرآن، يا اهل ما يسمى بالربيع، نضالكم مسموم قاتل لجسد هذه الامة أو مشوه له، فيكفي كوارث و نكبات تصنع بأيدي أبناء الوطن، فكل الذي يحدث على هذه الجغرافيا ( ألاسلوضاديه) لمصلحة العدو الاول الحالم بالارض من البحر إلى النهر.
حمى الله ألاردن و شعبه و مليكه
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور
|