عطفاً على المقال السابق “ المهن مفاتيح ذهبية”، فالمهنة تلزم صاحبها التفكير بها من اجل الاحترافية والاتقان، ودخول ميدان المنافسة، اذ لا منافسة بدون احتراف المهنة، فأفكار الماضي المرتبطة بالتغني بالحسب والنسب اصبحت عاملاً مسعاداً لا رئيساً يسقي ويطعم .
احتراف المهنة يتطلب التخلي عن ثقافة العيب والتمسك ببعض العادات والتقاليد، التي كانت تصلح لزمان مضى، ولا تصلح لزمان معاصر او آت، فالمهنة تطلب من صاحبها ان يعطيها مواهبه وقدراته وطاقاته، وبهذا الاسلوب وحده ينهض المجتمع ويرقى، ويدخل مضمار التسابق الحضاري، لا ان تكون المهنة كما نراها اليوم، صراخا وعويلا في الشوارع، او انتقادات وتجريحا، واغتيالا لشخصيات تجد وتعمل وتنتج، فهي مهنة من لا مهنة له .
المهنة في يد صاحبها تحيل الرمال ذهباً، حقيقة لا شعاراً ولا ترديداً لكلمات ذهبية ظاهرها رحمة وباطنها غش وخداع، فالمهنة هي وسيلة انعاش الاقتصاد وتحريك الاسواق والجاذبة للاستثمار، فالمواطن صاحب المهنة ينشغل بها ويعيش من خلالها عيشة محترمة تليق بإنسانية الانسان وحفظ كرامته، وهي في هذا السياق تورث من الاباء للابناء، وبهذا تكون الجودة اجود، والاتقان أشدَّ اتقانا، لان الاب يورث ابنه كل خبراته بمنتهى الصدق واخلاص النية .
التفرغ للمهنة به لذة النصر، لأنه عرف الهدف وحدده وصمم بالوصول اليه والتميّز فيه، وهذه لذة الحياة واسباب النجاح فيها، ان تعرف ماذا تريد، وتخطط للوصول لما تريد، ثم يكون الهدف، الذي ان وصلته بعد جد وعناء تتربع على عرشه، فتكون اسعدتك الحياة وابتعدت عن حسد الاخرين على نجاحاتهم .
لا يجوز ابداً ان يكون صاحب المهنة المحترف جامعاً على مهنته سياسة وافتاء وادعاء الخبرة في مجالات الحياة الاخرى المتعددة، كمن يدعي السبع صنايع، ثم انه من بعد ذلك الموسوعة العلمية التي تكتنز العلوم، فهذا هو الهلاك بعينه، ان ينشغل الانسان بما لا يعنيه، وليس ضمن المجال المغناطيسي لمهنته، اذ بهذا الاسلوب تسقط الامم وتندثر.
المتعدي على اخصاصات الاخرين وواجباتهم هو تماما كالسارق، الذي يسلب الاخرين اموالهم، التي ملكوها بعرق الجبين، وهذا الوصف دقيق لا خيال ولا اجتهاد، وايضاً هو قاتل، يقتل الوقت حين يسلب الاخرين ادوارهم وأوقاتهم، حين يدمر جهدهم ولا يأتي بجهد جديد .
بعد فوضى الربيع، الذي ساد الفساد بالعباد، وجبت الصحوة منه والعودة الى ممارسة المهن والعمل بها، لا ان نتجمع جميعاً على مهنة واحدة فاسدة، هي مهنة التنظير في السياسة، فقد ارهق هذا التنظير عقل الرئيس والمرؤوس، الكبير والصغير وحتى الرضيع .
حمى الله الاردن وشعبه ومليكه .
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة عبير الزبن جريدة الدستور