اول ردّ يتوقعه المحتج على ارتفاع كلفة التعليم الخاص هو: "مَن الذي ضربَك على يدك وأجبرك على أن تعلّم أولادك في مدارس خاصة؟ ولماذا لا تذهب إلى مدارس الحكومة؟". وفي ذلك بعض الحقّ، لكنّ السلوك الاجتماعي وثقافة المحاكاة، أوقعت حتى أكثرنا وعياً في الفخ، ولم يعد معظمنا يقبل بأن يكون ابن جاره أو قريبه ملتحقاً بمدرسة خاصة، بينما يرسل هو أولاده إلى مدرسة حكومية. ولضرورة المظهر الاجتماعي، فإن أحداً لا يرغب الظهور بمظهر "البخيل" الذي يضنّ على ابنه بالدفع من أجل تعليمه. أما الأهم، فهو أن حركة النزوح من مدارس الحكومة إلى المدارس الخاصة، أفضت إلى تهميش التعليم الحكومي، وإهمال البنية التحتية للمدارس، وهناك عشرات الشكاوى من اكتظاظ الصفوف، وبُعد المدارس، وتعرض بعضها لاحتمال الانهيار. هذا بالإضافة إلى رحيل المعلمين المؤهلين إلى القطاع الخاص لتحسين أوضاعهم. وساد انطباع لا أعرف مدى دقته، بأن المدارس الحكومية أصبحت بيئات غير صالحة لتخريج شخصية اجتماعية سوية، أو مؤهلة علمياً كما ينبغي.
وقد تكرّس هذا الانطباع بالحيلة التي نعرفها جميعاً، حيث تعمد كبريات المدارس الخاصة إلى استقطاب الطلبة المتميزين من المدارس الحكومية في الصفوف العليا، وتعفيهم من الرسوم الغالية أو جزء منها، ثم تنشر في الصحف صفحات إعلانية تحمل صفوفاً من أسماء وصور خريجيها الذين أحرزوا معدلات فوق التسعين. ومن الطبيعي أن يرغب الناس بمنح أبنائهم فرصة تحصيل معدلات عالية من خلال تسجيلهم في هذه المدارس، ودفع الكلفة لتزويدهم بفرصة المنافسة على الدراسة الجامعية. وقد جرّبت شخصياً تسجيل أبنائي في مدرسة من هذا النوع في الصفوف الدنيا، فوجدت أنها لا تولي كبير عناية بتلك الصفوف لأن نتائجها لا تظهر للعلن، كما يمكن التغطية على سوء نوعية التعليم بوضع علامات عالية نسبياً وغير دقيقة، لترضي أولياء الأمور.
المهم، لا يعنيني كثيراً تقييم أداء المدارس العامة والخاصة، فالحصيلة العامة معروفة، ولا يبدو أنها تبشر بخير بعد أن أصبح تراجع مستويات الطلبة واضحاً للكثير من الأسباب. لكنّني أرغب بمعاودة الإشارة إلى مجموعة من المبادئ المتعلقة بالتعليم وكلفته، خاصة في أجواء التحدث عن "إصلاحات" في كل مناحي الحياة. وأعيد التذكير بأن إصلاح التعليم يأتي في رأس أولويات إصلاح نوعية المجتمع ككل، لأنه يصلح الإنسان الذي يصنع كل الفارق في تقدم المجتمع أو تأخره.
أتصوّر أولاً أن خصخصة التعليم بهذا الحجم، هو خطأ كبير وتخلّ للدولة عن مسؤولياتها بطريقة عنوانها ترحيل الأزمة. وتحت يافطة السوق المفتوح وتنويع الخيارات، تم التخلص من "عبء" أساسي وتحميله للمواطن. والأصل أن يكون حقّ الناس في التعليم المجاني والعناية الصحية من أفضل نوعية مكفولاً، باعتبار أن المواطن حسن التعليم وجيد الصحة هو الاستثمار الأساسي للدولة، وليس لأولياء الأمور، وهي التي تجني عوائد هذا الاستثمار بطرق لا حصر لها. وأذكّر بأن تصدير الكفاءات المتعلمة كان أول استثمار ناجح وضع اللبنات الأولى في تطور هذا البلد. ولا بأس بأن يكون هناك تعليم خاص، ذو نوعية عالية جداً يمكن أن توفره إمكانات القطاع الخاص أكثر من الدولة، لكنّه يجب أن يستحق كلفته وينتج نوعية غير عادية من الطلبة لمن يستطيع تكلف العبء. ولا يجب أن يصادر ذلك على المطلب المشروع بأن تقدم المدارس والجامعات الحكومية كلّ ما يلزم لتخريج طلبة على سويّة عالية من العلم والكفاءة، بالحد الأدنى من الكلفة على المواطن، وهو ما سيعوض كلفته بالتأكيد من نوعية الأداء والإنتاجية.
الأوضاع الضاغطة الحالية، والمراجعات المفصلية المطلوبة في هذه المرحلة، تتطلب تخفيض الكلف على الناس. وينبغي استثمار اللحظة من أجل معالجة مسألة التعليم المهمة جداً، من حيث إعادة الاعتبار للتعليم الحكومي وتحسين نواتجه بحيث يعود المصدر الأساسي لتأهيل المواطن، واعتبار ذلك مسؤولية الدولة التي ستجني عوائده. كما تنبغي مراجعة "الكوتات" في القبول الجامعي، بحيث ينافس الطلبة بمعيار الكفاءة والتحصيل، ولا يضطر طالب أحرز تقدير امتياز في التوجيهية إلى الدراسة في البرامج الموازية فيهلك أبويه. لا يجب أن يستمر شعورنا بأن بلدنا يعاقبنا بتعليم أبنائنا.!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة