كثيراً ما تتحول الأحاديث الاجتماعية إلى مناطق الماضي والذّكريات. وهو موضوع قَريبٌ وسائغ، يلائم كسلَ العقل، ويوفر على النّاس جهد إثارة موضوع لترطيب الجلسة وتزجية الوقت. وفي أغلب الأحيان، يصل المتحاورون إلى النتيجة نفسها تقريباً: الماضي كان أحلى، وأبسط، وأسهل. ثم يقول قائلٌ العبارة المُتمنِّية التي تختزلُ هذا العُنوان كلُّه: "ساق اللهُ عَ أيام زمان!"..
وقد أخبرني صديق في هذا الشأن بشيء طريف، عن شخص أكمَلَ العبارة المعروفة أعلاه من خبرته الخاصة، فقال: "ساق الله عَ أيام زمان، يومَ كان جوز الحَمام ثلاث فَردات، وحبّة القمح قَد البَيضة!".
خيالٌ جامحٌ وفكِه يستدعي الضّحك. لكنّ المرء قد يعثُر على منتهى الجدّية في الأشياء الطريفة. ومن الأشياء الجديّة التي تصبح طبعاً ثقافياً أحياناً، ظاهرَة الهروب دائماً إلى الوراء؛ إلى الماضي. وقدْ أحال البدائيون قوى الكون في بعض المراحل إلى "أرواح الآباء والأجداد"، في العقيدة الطوطمية التي يستعين أصحابها بقوى البائدين لمعالجة هجمة الحياة على الحاضرين، ولتفسير الظّاهِرات التي تحيّر العقل.
العودَة كثيراً إلى الوراء، لا تعود طبيعيّة حينَ تتجاوز فكرَة الحنين العاديّ إلى حدّ الهَوس. ويتطلب النَّظر كثيراً إلى الخلف: إمّا الوقوف، أو السَّير أماماً بلا العينَين المنشغلتين، فيكثُر احتمال التعثر. ويعني الإفراط في الحنين إلى الماضي على هذا النَحو خواء الحاضر وكثرة عوامل الطَرد السلبية فيه -وليسَ إلى الأمام. وهوَ يعني أيضاً نفاد الطاقة وتسيّد الإحباط على المستوى الفردي والجمعي، ويؤشر على وقوع الأُمم في طور الانحدار والوهن، حسب دورة ابن خلدون.
بالنسبَة للعَرب الذين لا يخفى حالهم عليهم وعلى غيرهم، سادَ كثيراً في الأوقات الحديثة خِطابُ التغنّي بأمجاد التاريخ. وفي المدرسَةِ، أخبرونا كيفَ قادَ أجدادُنا ركب الحضارة العالميّة زمناً، وهضموا التراثَ السابق وبنوا عليه وحفِظوه للإنسانية. ولا ضيرَ أبداً في ذلك الوَصل بين الأصلِ والفروع. لكنَّ الضرورَة الحيوية لاتصال الفَرع بالأصل هي أنْ يستمدّ الأخيرُ من الأوّل الماءَ والغذاء ليعيشَ ويخضرَّ وينمو ويطرحَ الثّمار. أمّا بغيَر ذلك، فلا مَعنى عَملياً للأصل ولا للفرع.
أعود إلى حكاية "زَوج الحَمام الذي كان ثلاث فردات،" فأجدُ فيه صياغة عفوية لنظريّة التضخُّم الاقتصادية المهمة. ولا يختلف الأمر في هذا القول عن قولنا: أيام زمان كانت المائة وخمسون ديناراً تساوي ألفاً وخمسمئة دينار. وفي الاقتصاد، يعني ذلك هبوط القوّة الشرائية للعملة بسبب ارتفاع الأسعار والعوامل الأخرى. ولو كانَت دنانيرُ صاحب قصة الحَمام تشتري له الآن حاجيَاته، لَما كانَ هناك مبرّر يلجئه إلى ابتكار مَجازه الغرائبي. ولو كانَ النّاس يستريحُون إلى مُعطى الحاضر ويستأنسون بإشراق الُمستقبل، لَما استهلكوا كلَّ هذا الوقت من العيشِ في الماضي، أيْ في المَجاز أيضاً.
مَن المسؤول عَنْ هذه الفوضى في بيتِ الرّاهِن، والتي تدفع أصحابَه إلى الخُروج منه إلى السّاحة الخلفية؟ ليسَ طرَفاً يمكنُ تحديدُه بسُهولة. لكنَّ الوضعَ كلَّه مُنذر وليس مطمئِناً. إنَّه يؤشّر على شعور النّاس الطاغي بالعُسر الاقتصادي وعدم استشرافهم لاحتمال الحلّ. وإلى جانِب ذلك، يفرز هذا الضجر نمطاً سلوكياً غيرُ مُتفائل بجدوى الإنتاج، فينشغل الناس بالحنين إلى الأمس بدلاً من التفكير أكثر بكيفيّة إدارة اليوم، والتخطيط لإدارة الغد بوصف ذلك أكثَرُ عمليّة وإغواءً.
المطلوبٌ إذن هو خَلقُ ثقافة مستقبليّة المنظور والوُجهَة، مُستعينة بحاضر حيويّ، متحرّك وواعد. وليسَتْ هذه المهمّة سهلة، لأنها تعني التحوُّل مِن كَسل المُراوحَة في المَكان الذي أصبح مألوفاً إلى ارتياد أرض جديدة، وإشاعةَ أجواء مدّ محلّ مناخات الهزيمة والانحسار. ويستدعي ذلك بالضرورة إخضاع كافة مناحي الحياة للمُراجعة والتعديل الجريء، من التركيبات السياسية، إلى إدارة الاقتصاد، إلى المناهج التعليمية وإدارة الثقافة، وكل شيء.
بغير ذلك، سيظلُّ عنوان الخطاب العام هو أقاصيص العجائز ومبتكرات المخيّلة القصصية، على طريقة صاحب زوج الحمام، بدلاً من سيادَة خطاب العَقل العِلمي العَملي اللازم للإنتاج المحسوس الذي لا يُفسح مكاناً للمجازات. وربّما يجب أن يكون العمَل على ذلك من القمّة إلى القاعدة وبتركيز هذه المرّة، لأنّ الموقف لا يحتمل الخوض في حديث التغيير من القمة أو القاعدة، والدجاجة والبيضة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة