رجلان مختلفان، من زمنين وبيئتين متباعدتين، توجها بدعاءين يبدوان متناقضين ظاهرياً، لكنهما يخرجان من مشكاة واحدة. الأول هو إمام الإسلام، فخر الدين الرازي. ويروى أنه كان يزور بعض الأنحاء، فلاحظته امرأة عجوز والناس يتهافتون عليه، فسألت عمن يكون. وعندما قال لها أحدهم إنه الرجل الذي عنده ألف دليل على وجود الله، قالت: لو لم يكن عنده ألف شكّ لما كان عنده ألف دليل. وسمعها الإمام، فقال قولته المعروفة: "اللهم إيماناً كإيمان العجائز". أما الرجل الثاني، فالفيلسوف الفرنسي فرانتز فانون، الذي كتب في كتابه "بشرة سوداء، أقنعة بيضاء": "آه، يا جسدي، اجعلني دائماً رجلاً يستنطِق!".
في الظاهر، يعبر الرجلان عن رغبتين مختلفتين. الرازي يدعو الله أن يجنبّه الاستنطاق، في حين يتمنى فانون أن يكون مستغرقاً في الاستنطاق. لكن المشترك الكامن تحت سطح تعارُض الرغبتين هو الشكّ نفسه. وقد قبضت العجوز البسيطة الحكيمة على هذا الجوهر الموجود عند الرازي إلى درجة أنّه يشك ألف مرة في فكرة واحدة، فماذا عن بقيّة الأفكار؟ لكنّ من الواضح أن هذا الشك هو الذي دعا الفيلسوفين، الرازي وفانون، إلى الاشتغال في اختبار البراهين ومحاولة تحصيل اليقين. ومع ذلك، هناك فارق أيضاً في المنطلقات، والبيئة، بين الرجلين.
بالنسبة للرازي، كان منطلق عمله هو تأكيد أفكار حاضرة وشائعة ومقبولة سلفاً في البيئة. وربّما كان هذا السبب في أنّه يُحاط دائماً بالمريدين والمعجبين أينَما حلّ. ويشبه ذلك طريقة توما الأكويني التي سُمّيَت "عقلنة الإيمان" في العصور الوسطى. وفي الحالتين، انطلق الفيلسوفان من مقدمات تتمتع سلفاً بسلطة المسلمات في الوعي الاجتماعي وبالتجانس مع البيئة، في اتجاه وضع براهين جديدة، مثل الذي يحاول أن يكتشف طريقة أخرى لإثبات أنّ واحدا زائد واحد يساوي اثنين. ولم ينطَو عملها على تحدّ لمنظومة فكريّة قائمة ومقاربتها بطريقة نقديّة وبحياد العالِم، من دون تحديد النتائج مُسبقاً. وفي هذه الحالات، ليس الشكّ جوهراً حقيقياً في العمليّة، وإنّما هو توصيف اعتباطيُّ ليقين عجائزيّ.
فرانتز فانون، على الجهة الأخرى، وجد نفسَه بلا اختيار على الطرف النقيض للسائد. فهو أسودُ البشرة في مجتمع أبيض يمارس التمييز ضد الملونين. وقد وضعه ذلك مباشرة في موضع يصعب الانسجام فيه مع البيئة ومسلماتها. وهكذا، ترتّب عليه –فكريّاً- أن يشكّ في البنى القائمة من منطلق تفكيكها وتغييرها لصالح استخلاص براهين جديدة كليّة، من مقدّمات مرفوضة اجتماعياً لأنّها تتحدث عن تحرير المهمّشين الذين لا صوت لهم ولا سلطة. ولو لَم يكن فانون مسكوناً بالاستنطاق الذي عززه لديه الظلم وجد نفسه موضوعاً له واحتاج إلى أن يفسره، لما أنتج معرفة ولا صار فيلسوفاً ومناضلاً وصاحب فكر جديد.
هنا والآن، تعلّمنا في البيت والمدرسة والإعلام والسياسة، أنّ الشكّ لعنة والاستنطاق يودي بصاحبه إلى الهلاك لا غير. ولنلاحظ نصائح أهلنا الحريصين على مصلحتنا: "امش الحيط الحيط"، "ضع رأسك بين الروس،" "احفظ لسانك عند مخالفة الدول،" و"الذي تعرفه أفضل من الذي لا تعرفه،"... وهكذا. وفي كثير من الأحيان، تُخالط المُبتلين بنزعة الاستنطاق مشاعر سُخط على أنفسهم، فيقول واحدهم شيئاً من قبيل: "ليتني كنتُ أبسَط، ولم أحمل هذا الرأس الذي يُتعبني ويُسكنني مع الصداع، إذن لنمتُ ليلي الطويل وكانت حياتي عادية!".
معهم حقّ، لأنّ المعرفة في هذا الجزء من العالم، المغرم بالمسلّمات والرافض لفكرة تحريك حجر من مطرحه، تصيب صاحبها بمحنة الاغتراب وبحسرة العارف المُجبر على ابتلاع فكرته. إنّه لا يستطيع أن يقول ما عرَفه لأنّ كل شيء هنا يمنعه من أن يقول شيئاً يخالف المألوف، فيعتبر خارجياً وخارجاً ومُهرطقاً وقليل أدب. وحتّى لو قال، فإنّه لا يشعر بأنّ لقوله تأثيرا يُعتدّ به، وبأنّه نحتٌ بإبرة في جبل صوّاني من البنى المُستقوية بقِدمها.
الأصلُ في المعرفة أن تكون سبباً للسعادة. ولذلك باع فاوست نفسه للشيطان مقابل معرفة كان ينبغي أن تدله على جوهر السعادة. لكنّ حكايتنا مع المعرفة تَعاسة في البدايات، وبؤس في الخواتيم. هنا هو المكان الذي يصبح فيه الفكر تهمة، والمعرفة لعنة!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة