ذهبت حالة النشوة الآملة التي قاطعت مناخ الأزمة برهة مع خسارة منتخبنا الوطني لكرة القدم مباراته الحاسمة أمام الأوروغواي. وتوزعت ردود الفعل المباشرة بين السخرية من فكرة الأمل نفسها واستعادة الروح الانهزامية، وبين التركيز على الجزئيات: لوم اللاعبين والمدرب و"الخطة" التي حطمت آمال الأمة. وقد نسينا الجزء الخاص بالإنجاز (لأن العبرة بالنهايات): وصول منتخبنا إلى مرحلة الملاحق، وهو ما اشترك فيه الأردن مع فرنسا والبرتغال والمكسيك وغيرها من دول كرة القدم التي علقت هناك أيضاً. وفي الحقيقة، طالب الناس بالكثير. ألا يحقّ لهم ذلك؟!
يحقّ، ولا يحقّ. يحقّ، لأنّ الناس يتشبثون في الأزمات بأيّ شيء يصنع إحساساً بالتعافي والإمكانية؛ بأننا نفشل هنا وننجح هناك ولا نختص بالإخفاق. ولا يحقّ، لأنّ العاطفة توقعنا كثيراً في فخ الاجتزاء وفصل الأشياء عن سياقاتها. إنك إذا أردتَ أن تأمل ثم تغضب من الخيبة، فإنك يجب أن توفر المقدمات المادية للنجاح أولاً. أما إذا قطعت المراحل مصادفة وأنت تستغرب حسن الطالع المفاجئ، فإن التقدم ينبغي أن يتوقف عند نقطة الحقيقة.
في الرياضة وغير الرياضة، ينبغي بناء التوقعات على السياقات المنطقية كاملة: المقدمات والإجراءات والنتائج. وفي موضوع كرة القدم –الحالة التي شغلتنا أخيراً- تركز التحليل على الحاضر: المدرب والتشكيلة والخطة واللاعبين. لكنّ الفكرة المتداولة قبل ذلك، كانت أنه من شبه المستحيل بلوغ منتخبنا النهائيات، حتى لو جلبنا جوزيه مورينيو أو بيب غوارديولا. والمنطق وراء ذلك هو أنّ هؤلاء المدربين يكسبون لأنهم لا يبدأون من الصفر، وإنما يواصلون سياقاً متصلاً مع لاعبين تربّوا كمحترفين. واللاعبُ المحترف يذهب إلى الأكاديمية صغيراً، ويتعلم الانضباط وآداب المهنة ويقبل شروطها لأنه يكسب منها عيشه ببساطة. إنّه لا يدخن ولا يشرب ولا يفرّط في صحته لأنّ ذلك سيعني خروجه من حرفة مربحة جداً والبحث عن عمل آخر. وهو يعرف أن إطاعة المدرب المحترف أيضاً جزء من الشروط، وبغير ذلك سيخرج من النادي أو المنتخب. أينَ هي الأكاديميات والاحتراف والتخطيط البعيد؟ أين البحث عن الأطفال الواعدين، في الرياضة وغير الرياضة، ورعايتهم ليكسبوا لنا ولأنفسهم البطولات والنجاحات والعوائد؟
مسألة أخرى: تفاجأ كثيرون منا بمعرفة أن عدد سكان الأوروغواي هو 3.5 مليون نسمة فقط، أي نصف عدد سكان الأردن تقريباً. ولا بدّ أن البعض حسبها بالأحجام والأعداد. لكنّ الأوروغواي الصغيرة كسبت كأس "كوبا أميركا" 15 مرة على حساب دول هائلة المساحات والأعداد والإمكانيات، مثل البرازيل والأرجنتين وفنزويلا وغيرها. وكسبت كأس العالم على حساب كل دول العالم مرتين. وإذن، لا بدّ أنْ يكون للإنجازات والانتصارات علاقة بأشياء غير الحجوم والمساحات.
مثلاً، تقول المصادر إن "الأوروغواي واحدة من أكثر بلدان أميركا الجنوبية نموًاً من الناحية الاقتصادية، حيث الناتج المحلي الإجمالي للفرد مرتفع ونوعية الحياة متقدمة عالميًاً. ووفقاً لمنظمة الشفافية الدولية، تصنف أوروغواي على أنها البلد الأقل فسادًا في أميركا اللاتينية، حيث الظروف السياسية والعمل فيها من بين الأكثر حرية في القارة. وتحتل الأوروغواي المرتبة الأولى في عدد المتعلمين في أميركا اللاتينية، بنسبة 96 % من السكان في العام 1985". وبعد ركود طارئ في الأعوام 1988-2002، "شهدت أورغواي في العام 2003 برنامجاً لهيكلة ديونها وإصلاح اقتصادها، ليرتفع متوسط نموها الاقتصادي إلى 8 % في الأعوام 2004-2008، مما ساعد اقتصادها على الخروج من الأزمة المالية العالمية بأقل الخسائر... إلخ"
هذه البراعة في إدارة بلد محدود الموارد تبرر تصالح العقل هناك مع فكرة الانتصار ورفض الهزيمة القومية. وبعد توفير الأساسيات، لا عجب في التفات الناس هناك إلى الرياضة، ليس باعتبارها ترفاً و"قلة عقل،" كما يقال عندنا -حتى عن الأدب والفن والموسيقى أيضاً.
من دروس خبرة المنتخب أنه ليس هناك مستحيل، لكن قهره يحتاج إلى شيء غير المصادفة والأمل فقط. ولمن يريد أن يتعلم، جسّدت استجابة الأردنيين للحدث قدرة المشروعات الجمعية الواعدة على تحييد النزوع الفردية وجمع الناس حول مصلحة النجاح والانتصار. واقترحت الواقعة ضرورة مراجعة السياقات بدل اللطم على النتائج، ثم الجرأة على بدء أيّ شيء مجدّداً، وإنما على أسس، وإجراءات وتوقعات!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   علاء الدين أبو زينة