حينما تصبح حاسوباً 

 

أول حاسوب أو كمبيوتر تم اختراعه في العالم كان بحجم مستشفى، لكنه مع كبر رأسه، وضخامة جثته، إلا أنه كان غبياً (تمبلاً)، فلم يك بمقدوره إلا جمع أرقام بسيطة، وضربها وقسمتها، بكثير من الأخطاء المضحكة، مستغرقا زمنا طويلاً، لكنه ظل يتصاغر في الحجم، ويتعاظم بالأداء، حتى صار متاحاً بحجم راحة اليد وأدنى، مع مهام تفوق الخيال وشطحاته.

الكمبيوتر جعل منا كائنات مختلفة. فيكفي هذا السيل العارم لشبكة الإنترنت، ومواقع التواصل التفاعلية، التي تدخلت في كل شؤوننا صغيرها وكبيرها، وكيف أنهت الفواصل المكانية بيننا، واضعة الجغرافيا في الكيس مغلق.

ولربما سينتهي قريباً عهد المدرسة والجامعة. فالتعليم بات متاحاً في بيتك. ولربما سنشهد مصانع بلا عمال، وتعليماً بلا معلمين، وسيارات بلا سائقين، وهواتف بلا أرقام، وربما سنشهد جنساً ومشاعر حميمة بلا رفيق، هكذا سيؤول الزمن، ونحن نحمل الكمبيوتر في أيادينا، وعلى مكاتبنا. ولكن ما حالنا، إذا زرعت هذه الأجهزة في أدمغتنا؟.

هذا العصر سيشهد ولادة وثوران النانوتكنولجي، أي الثورة الرقمية متناهية الصغر، حيث المكبيوتر عالي المواصفات، بحجم ذرة هواء أو أصغر، أي كل مائة مليون كمبيوتر بطول سنتمتر واحد، هذه الكمبيوترات ستزرع في الأدمغة، وستكون محملة بشتى المعلومات والبيانات، والصور والمعارف قديمها وحديثها.

وسيكون الإنسان أكثر ذكاء ومعرفة، فيمكنك أن تحمل رقاقة كمبيوترية في دماغك، تحوي كل الشعر العربي مثلاً، ولن يكون هناك داع لترهق نفسك حفظ المعلقات، ونقائض جرير والفرزدق، وخمريات أبي نواس، وستحمل بيانات عن كل البشر، فبمجرد أن ترى الرجل تعرفه وتعرف تاريخه من أساسه لرأسه، عدا عن المعادلات الفيزيائية، والبيانات التي تجعلك عالماً بكل شيء تريده، فالعلم الذي تتطلب دراسته سنوات، سيكون متاحاً لتحمله بيسر في دماغك. وستكون أنت الكاميرا، فعينك تلتقط الصورة، وعند أقرب استوديو يمكنك تبيضها، لكنك ستكون مربوطاً بشبكة الإنترنت، مما يعني أنك ستكون مكشوفاً بالقدر الذي أنت فيه مبهم وغامض، تحت سطوة الأخ الأكبر أي (الرقابة الدائمة).

قد يكون أن الإنسان في هذه الثورة النانوتكنولوجية يغدو أكثر ذكاء، وأكثر معرفة، وأكثر علماً، والحياة أسهل وأسرع، لكنه سيكون آلة (مش أكثر)، وستنتشر ملايين نوادي الضحك كي تعالجنا من أدران الكآبة والضجر والسام. ولهذا كثيرا ما أسال نفسي: ماذا لو أدركت هذا الزمن. وصرت حاسوباً؟. هل كنت سأضع راسي بين الرؤوس وأقول يا مبرمج الرؤوس، أم أنني سأضرب رأسي بالحيط كل صباح، أو (أفرمت) نفسي كل حين، كي أعود قليلاً إلى فطرتي الأولى.

 

بقلم رمزي الغزوي


المراجع

addustour.com

التصانيف

صحافة   رمزي الغزوي   جريدة الدستور   العلوم الاجتماعية