مذبحة الأرز في ساكب
قبل عشر سنوات ذقنا حسرة (رأس طرون)، الجبل المُعمم بأشجار السنديان العتيقة شمال ساكب/جرش. في ذلك النهار ترجلت من سيارتي مشدوهاً، واندغمت بالناس المولولين من شراهة نيران تلتهم جبلهم الشاهق، دون أن تستطيع سيارة إطفاء واحدة الوصول إليه لوعورته. لم أكفكف دمعي حينها. بل لهجت بما كان يهمهم به أهل ساكب المصدومون: اللهم اقطع نسل من أحرق طرون
.
وتجددت حسرتنا قبل يومين، جنوب ساكب هذه المرة. وفي (الهوّاية). وما أدراك ما الهوّاية؟ | . فالذي لم يتذوق هواء هذه الجبل المطل على دبين والسلط وعمان والعالوك، لن يعرف معنى أن البحر، ليس بالضرورة أن يكون من ماء وزرقة، بل قد يكون من شجر وندى وعصافير وخضرة. بحر تتلاطم فيه أنسام الصنوبر والياسمين والزعتر، وموجات طيّون وحساسين.
15 شجرة أرز، من النوع النادر تُجز وتترك بأرضها، حيث برج مراقبة يربض فوقه اثنان من حراس الغابات. ولكن يد الإجرام تصل لشجرنا، وتجزه نكاية بنا، وبالحياة، ولتثبت أنها تستطيع أن تمتد أنّى شاءت، كاللص الذي يسرق مخفراً. فأولى لكم فأولى أيها المجرمون، فمن أمن العقاب أساء الأدب. وحرق الغابات، وتركنا صليخاً.
أرز الهوّاية بعمر تجاوز الأربعين عاماً، ولو كنا سلكنا سياسة التفليح والزراعة، لكان لدينا غابات من الصنوبر الحلبي، كالذي نستورده بباهظ الثمن زينة ونكهة لمناسفنا، ولعمرت ديارنا بالكستناء، والبندق، والخروب. ولاستثمرنا الغابة بإنتاج أعشاب طبية غدت عماد صناعة الأدوية في العالم.
مذبحة الهواية ستمر كمحرقة طرون، أي كغيمة صيف لا ظل لها، ولو كنا نقدّر معنى الحياة والشجر لاستقال وزير الزراعة، ولخرج وزير الداخلية فارعاً دارعاً لا يهنأ له بال حتى يقبض على المجرمين، ويقدمهم للعادلة.
قبل سنتين، كشفت عن الحطابين الناريين، الذي يعمدون إلى حرق الغابات كي يجمعوا فيما بعد حطبها المشعوط. ولكنهم اليوم تحولوا إلى العمل جهار نهار، دون خوف وورع، وصارت بيوتهم محجاً لمن أراد أن يشتري أطناناً من حطب السنديان والبلوط، إنهم معروفون تماماً للجهات المختصة. ولكن (رجاوة البطان تجيب الدبر).
أطالب أن يكون أرز ساكب بداية لنهاية تراخ لحفظ ثروتنا الشجرية، وبداية لضبط المعتدين، ومراجعة شاملة لقوانين الحراج، التي هي من اللين، بحيث يكرر الجاني جنايته، دون خوف أو جزع.
وأرجو أن يُدعم (الطوافون)، وهو الاسم الحركي لحراس الغابات، فهذه المهنة الحساسة يعاني أصحابها من تدنٍ في رواتبهم، وقلة الإمكانات التي تساعدهم بعملهم، وأن أعدادهم قليلة، لا تتناسب والمساحات الموكلة إليهم، ومن الواجب دعمهم مادياً كي يكونوا بمنأى عن كل ضعف وتغاضٍ، وتقنياً ليتصدوا لكل محاولات النيل من شجرنا | .
بقلم رمزي الغزوي
المراجع
addustour.com
التصانيف
صحافة رمزي الغزوي جريدة الدستور
login |