يستوقفك وسط هذا الضجيج، حيث الدم يسيل من كل الخاصرات ويرشح من الشاشات والجدران، نبأ توشك ألا تصدقه.. هو باختصار الكشف عن السبب الحقيقي لوفاة طفلة رضيعة في منطقة نائية من استراليا قبل اثنين وثلاثين عاما، وكان موت الطفلة قد تحول الى قضية رأي عام في البلاد، أما سبب الموت كما قالت طبيبة شرعية استرالية فهو اعتداء من كلب بري على الطفلة.

قد لا يكون النبأ مثيرا لدى من يتعاملون مع حقوق البشر باعتبارها حقيقة صلبة وقابلة للصرف الميداني والترجمة الفورية، لكنه بالتأكيد مثير لنا نحن العرب الذين لا يعرفون بعد خمسين عاما واحيانا بعد الف عام، من قتل من في حروبهم الاهلية والطائفية؟؟ ومن اغتال من ومن أحرق البلاد ونكل بالعباد في مختلف البلدان وتحت شتى الذرائع؟؟

ويبدو أن هناك شعوبا رفضت ان تصدق ما قاله الشاعر التركي الراحل ناظم حكمت، وهو اننا نعيش زمنا لا يذكر الناس فيهم موتاهم اكثر من عام.

فثمة من يذكرون موتاتهم بعد ثلاثة عقود او ثلاثة قرون، كما هو الحال بالنسبة لشعوب شهدت مذابح ورفضت ان تسجل ضد مجهول بحيث تطوى الملفات الى القيامة.

وقد يكون لدينا كعرب استثناءات في هذا السياق. فانا أعرف شابا كرّس عدة اعوام من عمره وجهده كي يكشف السبب الحقيقي لمقتل عمه بعد اثنين وثلاثين عاما، وهي ذاتها الفترة التي مضت على وفاة طفلة رضيعة في استراليا قبل ان تعلن طبيبة شرعية سبب الموت.

ما قاله ناظم حكمت كان قبل زمن طويل، فالناس الان لا يذكرون موتاهم اكثر من اسبوع او يوم واحيانا يشتبكون على الميراث قبل الدفن.

وبقيت مذبحة كبرى كالطنطورة الفلسطينية في مهب النسيان وعالم المجهول، الى ان اكتشفها مؤرخ يهودي شاب، ودفع ثمن مجازفته لكنه فتح أفقا لمن يسمون اليوم «المؤرخون الجدد».

كم من الاطفال والبالغين رجالا ونساء تم وأدهم قبل عقود ولم يكتشف القتلة بعد؟

وكم من المجازر والقبور الجماعية تبحث عن مؤرخين وأطباء شرعيين وبشر لم تفسد ضمائرهم لافتضاح الفاعل؟

ان ثقافة تدافع عن حقوق الحيوان وتسجن من يلحق الاذى بكلب او قطة، لا بد ان يكون مثل هذا النبأ بالنسبة اليها عاديا ومألوفا. لكنه غريب ويصلح في باب الطرائف في ثقافات اخرى لا ترى في الانسان اكثر من رقم اصم او فم فاغر، عندما يموت يريح ويستريح؟

فهل يأتي يوم يعرف فيه أبناء القتلى من قتل آباءهم وتعرف الامهات من وأد بناتهن؟


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خيري منصور   جريدة الدستور