يعد كتاب توماس هاجهامر "الجهاد في السعودية"، كتاباً مدرسياً بامتياز، والأهم أنه يفيد المتخصصين حيث إنه لا يضيع صفحات كثيرة يعرض فيها للتاريخ، بل إنه يركز كثيراً على موضوع الدراسة ألا وهو التيار الجهادي في السعودية. ويقدم تحليلات كمية وافية عن خلفيات الجهاديين السعوديين، من حيث مستواهم التعليمي، والخلفية الاجتماعية، والمشاركة في القتال، وغيرها.
كتاب هاجهامر، ومن ضمن القضايا الأساسية التي يثيرها، ثلاث قضايا أساسية، وتعد من الفرضيات الأساسية لدراسته، الصادرة هذا العام عن "كمبرديج برس ريفيو"، أثارت الذهن لمزيد من النقاش. القضية الأولى هي التفريق بين "الجهاد الكلاسيكي"، و"الجهاد العالمي"، والثانية مرحلة الانتقال من "الصحوة" إلى "الجهاد"، والثالثة خلفيات الجهاديين القبلية، وخاصة فيما يتعلق بالقبائل الجنوبية في السعودية، وخاصة مع التحولات الجديدة بانتقال الجهاديين السعوديين إلى اليمن، مشكلين هناك، مع نظرائهم اليمنيين، "القاعدة في جنوب الجزيرة العربية".
يقسم هاجهامر، في دراسته، بشكل أساسي بين من يسميهم "الجهاديين السعوديين الكلاسيكيين"، و"السعوديين المنخرطين في الجهاد العالمي". يميز هاجهامر بين النوعين حيث يرى أن القسم الأول يعبر عن أولئك الذين خرجوا للقتال بحكم أن دولة غير مسلمة احتلت دولة مسلمة، مستندين على "جهاد الدفع"، وتمثلت مشاركاتهم في أفغانستان خلال الاحتلال السوفيتي، والبوسنة والهرسك، خلال الصراع العرقي هناك منتصف التسعينيات، ومن ثم مع الغزو الروسي للشيشان آنذاك.
وبالمقابل برز تيار آخر، لاحقاً، يقوم على "الجهاد العالمي"، باستهداف الولايات المتحدة الأميركية، والغرب، وقد تبلور ما بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، الذي يسعى إلى نشر الجهاد خارج نطاق احتلال دولة غير مسلمة لأراض غير مسلمة.
هذا التقسيم، وإن عبر في حالات كثيرة، كما خلص بدقة هاجهامر، عن خلافات بين أوساط الجهاديين، فإن التقسيم الحدي بين الطرفين وكأنهما طرفان منفصلان لا رابط بينهما، يتغاضى عن حقيقة أساسية أننا نتعامل هنا مع فكر أيضا، لا مع حركات اجتماعية-سياسية فحسب، فالإيدولوجية السلفية-الجهادية، قد تبلورت زمنيا وفق مراحل مختلفة، كان ما يسميه هاجهامر
بـ "الجهاد الكلاسيكي"، وخاصة الحقبة الأفغانية الأولى جزءاً منها. التيار السلفي-الجهادي هو تعبير عن توفيقية (بمعنى الدمج بين نقيضين بحيث ينتج مندمج جديد في خصائصه، وسلوكه حسب المفهوم الكيميائي، وهو مصطلح مستخدم في دراسة تطور الفكر) بين الأفكار الجهادية المتمثلة بحركات سياسية تقدم خطاباً إسلامياً يهدف إلى قلب أنظمة الحكم وتنتهج النهج العنفي والمسلح لذلك، والذي تأثر، وللمفارقة بالثورة الإسلامية في إيران، ومن ثم الجهاد الأفغاني لاحقاً، والأفكار السلفية التقليدية المحافظة وغير المسيسة، والتي انصبت اهتماماتها في المسائل الأخلاقية-الاجتماعية، والفقهية العقدية البحتة.
يخلص هاجهامر، وبحق، إلى أن التعامل الأمني مع التيار السلفي-الإصلاحي، الذي بدأ منذ بداية التسعينيات، ما بعد حرب الخليج الثانية، مع الغزو العراقي للكويت، شكل معارضة سياسية شعبية، وكان على رأس هذا التيار سلمان العودة، وسفر الحوالي اللذان عرفا آنذاك بـ "شيخي الصحوة"، وسجنا عام 1994 حتى 1999، شكل فراغا لدى الحركة السياسية الإسلامية في السعودية ما أدى إلى أن يعبئ هذا الفراغ الجهاديون ومشايخهم الجدد، من "الحلقة الشعيبية" نسبة إلى الشيخ حمود العقلاء الشعيبي (توفي عام 2002)، وتلامذته مثل ناصر الفهد، وسليمان العلوان، وحمود الخالدي، وعلي الخضير، وهم كلهم في السجن حالياً.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة مراد بطل الشيشاني جريدة الغد