لست من الجيل الذي عايش وصفي التل رحمه الله، ولكننا نقرأ ونسمع عنه بعيدا عن المبالغات والاحكام المسبقة. ومن المؤكد اننا لم نعايش هزاع المجالي، رحمه الله، فقد توفي قبل ان نأتي للدنيا، وهذا يعني ضمنا أن اباءنا وربما بعض اجدادنا لم يكونوا في المرحلة التي حكم فيها محمد علي مصر، لكن التاريخ والمتابعين يوثقون العلامات البارزة في مسار كل رمز او قائد سياسي. والرمزية لاعلاقة لها بالمواقع الكبرى، فالبعض لا تزيده المواقع الا قناعة الناس بانه متواضع المواصفات والقدرات .
لن نوثق لمسار سياسي للشخصيات الثلاث، لكن لفت انتباهي في بعض ما قيل عنهم قضية مشتركة مرتبطة بالزراعة. والزراعة هنا ليست قطاعا اقتصاديا، لكن الاهتمام بها جزء من الفكر السياسي والاجتماعي، وجزء للتصور الذي يحمله اي سياسي لفكرة الوطن، ولمفهوم بناء المواطنة، ولهذا فالامر يتعدى فكرة الاجراءات الزراعية او قرارات ادارية.
فما نسمعه مثلا عن محمد علي باشا انه سعى وعمل لزيادة رقعة الارض الزراعية وعمل على انشاء (الترع) كما يقول الاشقاء في مصر، اي بناء ادوات للري وتطوير الزراعة وفق امكانات العصر الذي كان يعيش فيه.
اما هزاع المجالي، فإن مما يذكر له تأسيسه لمؤسسة الإقراض الزراعي، والهدف الوطني الكبير هو الحفاظ على ملكية المُزارع لأرضه، بحيث تؤمن له الدولة قروضا ميسرة بدلا من ان يلجأ لبيع ارضه نتيجة الفقر او ملاحقة كبار الملاك ومحاصرتهم. وبغض النظر عن النجاح في تطبيق الفكرة او ذهابها بعد ذلك عن اهدافها فإن ايجاد المؤسسة كان تعبيرا عن حرص على تثبيت المزارع في ارضه والحفاظ على مهنة الزراعة.
أما وصفي التل، وقد كانت ذكرى استشهاده مؤخرا، فإن من عرفوه يتحدثون عن جزء مهم من فكره وهو الزراعة وحرصه على الحفاظ على الارض الزراعية في عمان وغيرها. وكان، وهو السياسي والرمز الوطني، يحمل للزراعة مكانا كبيرا ليس كقطاع زراعي اقتصادي، بل باعتبارها جزءا من هوية المجتمع، والحديث في هذا المجال كثير. وكان يرفض التوسع العمراني على حساب الزراعة.
الشاهد، ليس دراسة افكار وتوجهات الشخصيات الثلاث، لكن الجوهر ان احد العناصر المهمة لأي فكر سياسي واجتماعي واقتصادي لأي شخصية او تيار او حزب هو القضية الزراعية. فلا يمكن لأي شخصية أن تقترب من خدمة هوية الدولة والمجتمع من دون أن يكون إنقاذ او رعاية قطاع الزراعة على رأس اولوياتها، واي برنامج تتبناه اي حكومة او جهة للاصلاح الاقتصادي الاجتماعي لا يعطي للزراعة مكانتها الحقيقية لا يمكن ان يصل الى شيء ملموس.
هذا الاهتمام لا يعني رفض التطور في عالم التكنولوجيا او الاهتمام بأي مجال اخر، لكن ما جرى ان البرامج السياسية والاقتصادية لم تقدم انجازا نوعيا في الجديد، واهملت - اما لعجز او بقصد- قطاع الزراعة الذي نحاول الآن إخراجه من غرفة الإنعاش.
ليست فقط قضايا الزراعة هي القاسم المشترك بين هذه الشخصيات وغيرها، بل هي الأثر الكبير الذي يجعلها جزءا اصيلا من تاريخ بلادها، لا يستطيع انكارها الخصوم قبل الاصدقاء. ولعل هذا يعيدنا الى الفقر النوعي في الحياة العامة الذي جعل من وجود الرموز والزعامات عملة نادرة، وهذا الفقر تعيشه احزابنا، حتى الكبرى، التي فشلت في ايجاد شخصيات ذات دلالات وطنية عامة. فليست المواقع الحزبية او قيادات التنظيمات او رئاسة الحكومات او عضوية ورئاسة مجالس الأمة بديلا عن الرمزية التي لاغنى لأي مجتمع عنها.
اي حديث عن التصنيفات بين محافظين وليبراليين او إصلاحيين، او غيرها من المدارس الوهمية والحقيقية، يجب أن تكون الزراعة كجزء من هوية المجتمع احد المعايير المهمة للتصنيف والاختلاف بين المدارس، وليس اشياء اخرى، لا تعدو ان تكون امورا سياسية او خلافات آنية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة