المدينة الطبية لها مكانة وطنية وشعبية، ولهذا عندما كان يتم استعمال اسمها في سجالات اهل المواقع كانت تثير لدى الاردنيين حالة قلق، لان البيع ادخل الى قلوب الاردنيين خوفا، ليس على تراب دابوق، بل قلق من طريقة تفكير. فالمدينة الطبية مهما كانت مكانتها فهي ليست كيانا مقدسا، لكن الاردنيين يشعرون بالقلق من كل نهج او طريقة تفكير تمس بهوية الدولة، فالقضية ليست مسارا اقتصاديا لان برنامج الاصلاح موجود منذ 1989 ويسير بين حماس له وتحفظ عليه، لكن الاردنيين لديهم خوف وقلق دوافعهما سياسية ووطنية، وليست اقتصادية، وهذا ما يفسر الموقف لدى عامة الناس من مسار البيع.
الفرق بين المواطن الصادق العفوي الذي يخاف على هوية الدولة ورموزها وبين بعض طبقات اهل السياسة ان هؤلاء عملوا على تحويل انفسهم الى ابطال وشهداء، وكأن الدولة على حافة البيع والانهيار وهم حماتها، وذهب بعضهم الى حد الاستغلال السياسي ليقول عمليا انه الممثل الشرعي والوحيد لهوية الاردن والحفاظ على رموزه، ونسي في زحمة هيمنة "الأنا" أن الدولة فيها مركز أمان على رأسها؛ مؤسسة الحكم ومؤسسات قوية، ورجال أصحاب رؤى ومواقف، لكنهم لا يستعملون صدقهم لجني الثناء وأضواء الإعلام وبناء الخنادق الشخصية، وأن اهل الصدق يقدمون النصح والرأي الذي ينسجم مع مصالح الدولة، لكن بزهد الصالح ذاته وهو يقدم بيمينه ما لا تعلم شماله.
مركز الدولة هو مؤسسة الحكم التي تتعامل مع كل المعادلات. ومن الواضح ان البعض تغيب عنه اساسيات من العمل السياسي حتى وان حملت الظروف الى مواقع حساسة، لهذا فإن هناك فرقا بين حمل مسار ووجهة نظر داخل اطر الدولة وبين التجيير السياسي وبناء الأمجاد الشخصية الوهمية احيانا.
امس اختار الملك ذكرى توليه الحكم ورحيل الحسين رحمه الله تعالى ليكون ليس في الخدمات الطبية، بل في المؤسسة العسكرية التي حافظت على مكانتها في الولاء الفطري، وتقودها كوكبة رجال ليست غارقة في غير المهنية والاخلاص وخدمة الناس والحفاظ على مكانة الجيش جذر الدولة. وكما ان الجيش عامل الامان فإن إعلان الملك عن بقاء المدينة الطبية وعزمه على تطويرها وتحديثها بمبلغ كبير يصل عبر السنوات الى 200 مليون دينار، هذا الاعلان ليس اعطاء قداسة للمكان رغم قيمته، لأن المصلحة قد تكون بعد حين الانتقال والتوسع، لكن الرسالة الى الاردنيين بأن مركز الدولة مدرك لما يجول في خواطر الناس وأن حرصهم على المدينة بما تمثل من اسم بانيها، وبما تحمل من دلالات وطنية وتاريخية، او بما تعني لدى الناس كمؤسسة هي هوية الدولة، كل هذا ليس فقط لدى صاحب القرار، بل ايضا يشاركهم الرؤية والفهم، وان القلق على الهوية والإرث والرموز من حق الناس وتجد الاستجابات من الملك.
إبقاء المدينة لا يعني الغاء الخطط والبرامج لبناء مراكز ومستشفيات جديدة متطورة ومؤهلة لخدمة الأردنيين، لكن الرسالة سياسية ووطنية واحترام من الملك لحق الاردنيين في احترام مؤسسات وتاريخ ورمزية. أما المسار الاقتصادي العام فيسير من دون اندفاع، وبلا تعامل يغفل الابعاد السياسية والوطنية، ولا يتجاوز عوامل الأمان التي هي من حق الناس.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة