الحالة المثالية للعلاقات السوية داخل الدولة أن نمارس حوارا وطنيا في أماكن الحوار وعلى طاولات التفكير الناضج، لأن الآلية المنتجة هي الحوار في مكانه وليس في أي مكان الآخر. فالدول التي تتقطع فيها أواصر الحوار تلجأ للشارع، والحجارة، والعنف، والقنابل المسيلة للدموع.
ما نجحنا به جميعا أن من خرجوا إلى الشارع لم يجدوا حرمانا من هذا الحق، بل وجدوا معاملة حضارية من رجال الأمن. لكن الأمر كان يحتاج إلى خطوات أخرى، فكانت لغة الحوار التي قادها الملك من خلال سلسلة لقاءات كثيرة مع كل الأطياف والجهات، بما فيها المعارضة. وجاءت حكومة جديدة رسالتها صناعة مقومات الإصلاح السياسي، وقضى الرئيس أكثر من أسبوع في حوارات ولقاءات. والهدف من كل هذا القول أننا نحن الأردنيين نملك الأداة الفاعلة للفعل والإصلاح، وهي الحوار في أماكنه المنتجة، ثم حمل الرؤى التي يتم التوافق عليها إلى المؤسسات الدستورية التي لا يمكن من دونها تحويل أفكار الإصلاح إلى تشريعات نافذة قابلة للتنفيذ، وهذا هو الذي يجعل الأمر منتجا.
واليوم، بعد أن جاءت الحكومة، ربما نحتاج إلى الخطوات التالية:
* أن تقوم الحكومة، وبسرعة، بوضع التصورات القانونية للتشريعات التي نحتاجها لإنتاج إصلاح سياسي، وعلى رأسها قوانين الانتخاب والبلديات والأحزاب والاجتماعات العامة، وإطلاق حوار وطني فاعل مع كل الجهات الفاعلة سياسيا واجتماعيا، ومن ثم إرسال هذه التشريعات بعد التوافق عليها إلى مجلس الأمة لإقرارها.
* وسواء كان إنتاج عملية الإصلاح باقتراحات حكومية يتم الحوار الوطني حولها أو استبدالها بتشكيل إطار وطني على غرار لجنة الميثاق أو الاجندة الوطنية وتكون ممثِّلة للقوى السياسية والاجتماعية الحقيقية، فإن الهدف هو إيجاد توافق وطني ثم إرسال ما يتم التوافق عليه إلى الحكومة لتأخذ الأمور مسارها الدستوري.
وهنا لابد من الإشارة إلى أن مفهوم التوافق لا يعني أن ينصاع الجميع لرأي طرف، بل أن تتم دراسة كل الخيارات، والاتفاق على صيغة ترضي الجميع وليس طرفا واحدا.
* ونحتاج في المرحلة المقبلة إلى وقف أي مسار يعتمد الاتهامات أو يستقوي على الدولة بظرف إقليمي أو دولي، وأن تكون اللغة التي نستعملها جميعا، من الجهات الرسمية والشعبية والإعلام، لغة سياسية قائمة على المنطق والمعلومة.
* وعلينا في زحمة الحديث السياسي أن لا ننسى أن الدولة تواجه وضعا اقتصاديا صعبا على مستوى عجز الموازنة والمديونية، وأن الشراكة في الملف السياسي يجب أن تنسحب على الملف الاقتصادي المهم جدا.
* أن يتم التعامل مع المرحلة المقبلة باعتبارها مرحلة بناء لأردن المستقبل، فالأمر ليس تمريرا لمرحلة، وليس قطف ثمار من "جمعة مشمشية"، لأننا إذا نجحنا بصياغة المرحلة المقبلة وفق أسس سليمة، فإننا نتجنب أثمانا مستقبلية، مع ضرورة أن يتعامل الجميع مع ما يتم التوافق عليه بكل جدية واحترام، وأن نتبناه جميعا لأنه خيار الجميع.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
جريدة الغد صحافة سميح المعايطة العلوم الاجتماعية