انفلونزا حادة داهمتني، انفلونزا صيفية، جعلت هذه السماكة الحرارية التي تثقل كل شيء بثقل زئبقي ، جعلتني أشعر بالقهر المرضي، ذلك اني ظللت اتعامل مع الانفلونزا باعتبارها من الامراض الشتوية، وربما كنت أذهب في هذا الشأن الى أبعد من ذلك على اعتبار انه ما دام الجو ممطراً ويعاني من كل هذا البلل فمن الطبيعي أن يستجيب الانسان لهذا البلل بأن يظل يعطس ويكح وترتفع درجة حرارته بانتظار التعرق الذي يمكن اعتباره هو الآخر المطر الذي يولده الجسد كاستجابة مائية طبيعية لفصل الشتاء

انفلونزا صيفية قاسية أسرتني وجعلتني قعيد البيت، اراقب كحتي وعطسي واحمرار انفي، وارتخاء اطرافي الى ذاك الحد الذي يجعلني لا أقوى على المسير، وتفقد المدينة كعادتي.

لكني مع ذلك فقد عاندت هذه الحالة، عند ساعة الضحى بالأمس، وخرجت متجاوزاً درجة الحرارة التي وصلت الى اربعين درجة.

ما أدهشني هو ان الشارع الذي كنت أسير فوقه كان يترجرج تحت أقدامي كما «الجلي» ، وأن الأشجار التي كانت تنتصب كعادتها على جانبي الشارع، رأيتها مقوسة ومتهدلة الاوراق وبدت غصونها وكأنها تعاني من حمى هي الأخرى وهي تعاني من كل هذا الذبول، وحاولت ولكي أنقذ نفسي من هذا الجو الكابوسي أن أتطلع الى السماء، فكانت السماء تبدو لي باستدارتها المحكمة وكأنها خوذة عسكرية زرقاء، تعاني من مرض الازرقاق المُزمن. نعم، كانت السماء مريضة هي الأخرى

وكعادتي حين أصاب بالانفلونزا أحس بانه قد نبت لي أنفٌ آخر، أنفٌ كأن مهمته الأولى طرد ذاكرة الروائح من أنفي، ليبدأ بمنحي حساسية جديدة في تلقي الروائح وتنشقها، وهي على ألأغلب روائح أقرب الى طعم الرائحة الكابوسية.

ولهذا وحينما صرت في وسط البلد، كان عليّ أن أحاذر مشاهدة النساء المتعرقات، وخصوصاً السمينات منهن. لكني مع ذلك لم أنجُ من ثلاث فتيات سيرلانكيات يسرن متلاصقات وهن يضعن المكياج الساذج، وتلك الكميات الهائلة من مادة «النيفيا» التي يدهنّ بها أجسادهن، تلك الرائحة ساقتني الى الهروب السريع خوفاً من التقيؤ.

يوم أمس كان وسط العاصمة مريضاً، الباعة والمحال والأرصفة المكتظة بالبضائع الساذجة. كانت العاصمة مصابة بحمى نادرة وتعاني من مرض الروائح، حتى الشمس الساطعة فوق رأسي بدت كبيضة خربة

وكان عليّ أن أعود الى بيتي مسرعاً وأنا أتعوذ من انفلونزا الصيف وتداعياتها.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور