كنت في وضع استلقائي امام التلفزيون أقلب الفضائيات بنوع من الضجر الذي تعودت عليه، لكني توقفت للحظة عند فيلم وثائقي عن مدينة «البترا»، ووجدت نفسي مأخوذاً امام هذا الفيلم المميز.
كان الفيلم قد تم العمل عليه بعناية فائقة، من حيث السردية الفنية عالية المستوى للتمازج بين المكان كمعطى تاريخي فني وكمعجزة معمارية تجلت في حفر مدينة كاملة في الصخر الوردي الذي يميز البترا ، وكان هناك عالم الآثار الالماني، الذي كان يرتدي الكوفية البدوية على رأسه، ويتكلم اللهجة البدوية مع العمال الذين برافقونه من سكان البترا من عرب «البدول»، وكانت الكاميرا تتنقل بمشهدية فنية وعالية المستوى وهي تبرز مفاتن المدخل الاسطوري لمديتة البترا وذاك الشق الصخري الذي يذكر وبشكل سحري وغامض، برحم بداية الخلق، ومن ثم وبشكل موارب تظهر الخزنة بجمالية شموخها المعماري ونقوشها، وتلك الالتماعة الذهبية لصخورها وتقلب ألوانها مع تقلب أشعة الشمس ومع تقلب الوقت النهاري من الصباح وحتى المساء.
وذهبت الكاميرا الى أبعد من ذلك وهي ترينا شخصية من عرب «البدول» من قاطني مدينة البترا ، وهي تتبع العلاقات الاجتماعية بين هذه الشريحة وطقوس حفل الزواج، والبيت الذي ستزف له العروس في إحدى مغائر البترا ، متتبعة أدق تفاصيل العرس ابتداء من الجاهة مروراً بشراء ثياب العروس والحفل الزفاف، والزفاف على جملين واحد للعروس وآخر للعريس.
الفيلم كان يتتبع من خلال ذلك تاريخ البترا والأقنية المائية الفخارية التي كانت تغذي سكان المدينة قديماً، والبيوت المحفورة بالصخر وكذلك الساحات والمقابر والدير. والبحث عن الأعمدة الغارقة بالرمال واعادة ترميمها ووضعها في مكانها الصحيح.
بعد انتهاء الفيلم الذي أخذني بفنيته وسحره، عدت بذاكرتي الى رحلتي الى تلك المدينة وذلك ضمن اسبوع ثقافي نظمته لنا وزارة الثقافة، وعدت الى ذلك المشهد الساحر الذي جعلتني وحينما أطلت علينا صخور مدينة البترا المتشكلة بعوامل الطبيعة، أشعر أني أسير باتجاه كوكب آخر غير كوكبنا. كانت الصخور تبدو وكأنها ضجرت من اختفائها الأبدي في بطن الأرض، وأعلنت عصيانها بهذه الانتفاخات الصخرية المدهشة، الظاهرة على شكل جبال من الصخر المتلاصق.
تذكرت أيضاً تلك الليلة التي نمتها في احد فنادق البترا وكيف هدأت روحي في نوم نادر وكأني في حماية صخور البترا .
بعد كل هذا تساءلت على نحو مباغت « اللعنة كيف يمكن للدولة الاردنية ان تعاني ميزانيتها من مديونية وعندها مثل هذا الكنز السياحي النادر الذي اعتبر قبل سنوات من عجائب الدنيا ؟
| »
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور
login |