كشف الربيع العربي عن امكانيات هائلة ظل العربي وعبر تاريخه يجعل هذه الامكانيات بمنأى عن أي تغيير طارىء، ويمكن القول لا بل الجزم: إن العربي ظل يخاتل المتغيرات والثورات التي كانت تهب على هذه الامكانيات كي تقتلعها من جذورها لتعيد تشكيلها من جديد

فالماركسي العربي الذي اندغم وبشراسة في تنظيمه الشيوعي وافكاره المادية استطاع ان يحيد ذاته العربية المتخمة والمتورمة عن اي اختلاط تطويري لمفاهيمه الراسخة تاريخياً مع هذه المعطيات المادية التاريخية، وظل جانبه الوجداني بمنأى عن رياح التغيير. ولهذا فان مثل هذه التحويشة الوجدانية استطاع العربي ان يُهربها في مفاصل تاريخية كي ينجو بها.

وما ينطبق على الماركسي العربي ينطبق ايضاً أيضاً على القومي العربي الذي استطاع وبمهارة عجيبة ان يفصل بين المُعطى الديني لهذه الأمة وبين المُعطى الاجتماعي التنويري، فاتخذ منطقة اقامة هي بالفعل منطقة حرجة تاريخياً واخذ يجمل ملامحه المقترحة التي قادته في النهاية الى فضيحة الوجه وعري الذات، حتى بتنا نرى تحولات تفصيلية في هذه الشخصية أقل ما يقال عنها: إنها تدميرية.

أما الشخصية الاسلامية فقد بدت أكثر مهارة وهي تحاول ان تعيد عجلة التاريخ الى الوراء باعتمادها على اساسيات تكوينية كان التاريخ تخطاها، لكنها ظلت تدعو الى عودة دولة الخلفاء ودولة امراء المؤمنين متناسية ان العالم الذي يضع قدمه في طريق القافلة الذاهبة نحو المستقبل من المستحيل عليه تقبل ان يوضع في المربع الأول من جديد.

ويبدو ان الذات الجمعية حينما تتخم باختلاط القناعات حد التضخم والتورم فانها تبدأ بالبحث عن تنفيسات وعن مخارج كي تتخلص من هذه الحمولة التاريخية الثقيلة، وقد كانت موجة ثورات الربيع العربي هي المتنفس الحقيقي لشعوب ظلت نخبتها تمارس الاحتيال على المتغير الاساس الذي لم تقترب منه ولم تحاول تفجيره من جديد او اعادة صياغته بما يتناسب مع كل ما هو طارىء وجديد.

والحال فان القادم في طيات الربيع العربي في غير عاصمة عربية سيفجعنا بمتغيرات كنّا نعتقد واهمين انا قد تجاوزناها. وعليه فاننا امام انقلابات في فهم الاعراق والطائفية والجغرافيا الوطنية وتغير الرايات والاناشيد الوطنية، وعلينا في الوقت ذاته تحمّل كل المتغيرات الموجعة.

وكان الله في العون


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور