قد لا تؤخذ اتهامات الرئيس اليمني علي عبدالله صالح، للولايات المتحدة وإسرائيل بإدارة الاحتجاجات العربية على محمل الجد، وقد يكون مطلقها لا يحمل أي دليل ملموس على ما ذهب إليه، وربما لا يتجاوز هذا الأمر أساليب تصدير الأزمات التي اعتاد على إتقانها الزعماء العرب. في المقابل، تبدو كل أدوات تحليل تحولات القوة في الشرق الأوسط عاجزة عن فهم مستقبل هذه التحولات، ودور الأطراف الدولية والإقليمية فيها.
لكن، مما لا شك فيه أن الجميع يتربص ويحاول ركوب الموجة العربية الجديدة، وهي حالة تفتقد للشكل وللمركز، وتملك فائضا هائلا من المضمون والتفاعلات، ما يصعّب رسم سيناريوهات حولها، ويدعو إلى استذكار ما عبر عنه أحد أكبر المدونين العرب، خبير تكنولوجيا المعلومات التونسي سامي بن غربية، عشية الثورة التونسية عن خشيته من أن تختطف الولايات المتحدة نشاط المقاومة الالكترونية الذي يمارسه الشباب العرب.
إن حالات العالم العربي وإيران، وإلى حد ما الصين وروسيا، تقدم أدلة قوية في الجدل حول حرية الانترنت والوسائل الجديدة ومسألة السيطرة المركزية. فالنشاط العربي على الشبكة، وعلى الرغم من أن ترتيب اللغة العربية ما يزال السابع في المحتوى الإعلامي على الشبكة، يواجه مخاطر احتمال التقائه بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة، والذي يتضح في التسييس المفرط لنشاط الشبكات الاجتماعية وحركة التمويل الواسعة التي يتلقاها مدوِّنون ونشطاء عرب من منظمات ومؤسسات رسمية وغير رسمية من دوائر أميركية وغربية، على الرغم من أن معظم المبادرات العربية الناجحة على الشبكة في النشاط السياسي والحقوقي لم تكن ممولة كما يحدث منذ فترة قصيرة.
وضعت الولايات المتحدة، وبشكل رسمي، "سياسة حرية الانترنت" منذ مطلع العام 2011 محوراً أساسياً في سياستها الخارجية، حيث أعلنت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون أنها تعمل "من أجل جهد دائم يستعمل قوة تكنولوجيا الاتصال وتطبيقاتها لخدمة أهداف الولايات المتحدة الدبلوماسية". وعلى هذا الأساس أطلقت مبادرة "المجتمع المدني 2.0"، التي تهدف إلى مساعدة المنظمات الشعبية في جميع أنحاء العالم من أجل استخدام تكنولوجيا المعلومات، وخصصت 5 ملايين دولار للشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وحدث الأمر مع دول أوروبية أخرى مثل هولندا وفرنسا، ليتزامن هذا الجهد في الدفاع عن "حرية الانترنت" مع التضييق على من يسمون اليوم بـ"المنشقين الكترونياً".
تتحدث الوثائق الأميركية الرسمية حول دفاعها عن خمس حريات يدعمها الانترنت: حرية التعبير، حرية العبادة، التحرر من العوز، التحرر من الخوف، حرية الاتصال والتواصل، فيما سعت بخطوات حثيثة وتحت بند أمن المعلومات ونظرية ما يسمى "الأمن السيبيري العالمي" إلى إجراءات تحد عملياً من التدفق الحر للمعلومات، حيث أنشأت العام 2008 مكتباً لتنسيق السياسة الخارجية بشأن الفضاء السيبيري، وتعيين الرئيس الأميركي منسقاً قومياً لهذا الشأن. ونشطت منذ ذلك الوقت في تصدير برامج الرقابة والحجب للحكومات الصديقة.
إن ساحة الصراع الواضحة هذه الأيام تدور حول استثمار وسائل الإعلام الجديدة والتقليدية معا، فالعدوى الاحتجاجية ومسلسل الثورات الشعبية، لا تقودهما ظاهرة القطيع كما تحاول أن تصفها الأنظمة الحاكمة، بل من يملك الرواية الأفضل، أي الأكثر شمولية وتفصيلا وسرعة وجاذبية، ولا يشترط أن تكون الأصدق أيضا.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد