يحتاج الأردن في هذه اللحظة التاريخية إلى جاذبية سياسية جديدة، تجمع الديمقراطيين الحقيقيين من كل التيارات والأيديولوجيات والمدارس السياسية، على هدف تاريخي واحد، يعيد تعريف المصلحة الوطنية في الانتقال نحو ديمقراطية وطنية وبأدوات الديمقراطية ذاتها؛ أي التحالف من أجل إنجاز مرحلة الانتقال الديمقراطي.
ليس كل دعاة الإصلاح السياسي ديمقراطيين حقيقيين، ولا كل من يُحسب على المعارضة السياسية يمارس الديمقراطية في خياراته، وعلى استعداد لأن يمارسها إذا ما وصل إلى السلطة. في المقابل، ليس كل من في السلطة "سلطويين".
لذا، تبدو الأسئلة المهمة اليوم: كيف يتم الفرز لتكوين كتلة ديمقراطية تاريخية داخل المجتمع السياسي؟ وهل تستطيع هذه الكتلة الأولية إقناع الفئات الديمقراطية داخل السلطة بأن التحالف التقليدي إلى زوال؛ ذلك التحالف القائم على فكرة أن الطبقات المتوسطة والعريضة تعتقد بأن مصالحها تتطابق مع مصالح الطبقة المسيطرة على السلطة، وهو التحالف الذي برر الاستقرار الهش خلال المراحل السابقة، الأمر الذي يعني أن لا مفر من إنقاذ الدولة بتحالفات ديمقراطية يصوغها ويضمنها ديمقراطيون؟
الكتلة التاريخية الآن، لأن أكثر ما يحتاجه الأردن في هذا الوقت الحرج هو الوضوح السياسي، والتوافق العريض على الحد الأدنى من المبادئ والقيم من أجل الانتقال الديمقراطي الهادئ. ولهذا، نحتاج إلى إعادة تعريف مفهوم بناء الكتلة التاريخية على القاعدة الديمقراطية وفق محددات البيئة السياسية الأردنية. وهو الأمر الذي يجيب على تساؤل آخر: لماذا فشلت تجارب الجبهات والتحالفات الآنية في إحداث التغيير، أو إقناع القواعد الشعبية بتغيير تحالفاتها؟
الكتلة التاريخية الديمقراطية من أجل الديمقراطية في الحالة الأردنية تحتاج أن تكون من تيارات وأفراد ومن قوى سياسية أيديولوجية وأهلية، تجمع أطياف المجتمع الدينية والطبقية والاجتماعية والعمرية، ولا تقصي من هم داخل النظام السياسي.
المهام الأساسية لهذه الكتلة خلق التوافق العريض على قاعدة الوضوح، من أجل ضمان الانتقال الديمقراطي الهادئ والنظيف؛ والأخير يقصد به دون ضغوط أو تدخل خارجيين، ودون أن يدفع الوطن أثمانا أخرى لهذا التحول.
يتطلب من هذه الكتلة خمسة أدوار أساسية: أولاً، إعادة تعريف المصلحة الوطنية في التحول الديمقراطي؛ ثانياً، إعادة ضبط المفاهيم السياسية وعلى رأسها الهوية والمواطنة، بشكل حاسم؛ ثالثاً، إعادة تعريف مكانة النظام الملكي الدستوري في الثقافة السياسية الأردنية؛ رابعاً، تعريف العلاقات بين مكونات المجتمع الأردني؛ وخامساً، توسيع قاعدة من يرون الديمقراطية مصلحة لهم، والاتفاق على قواسم مشتركة كبرى.
تلك المهام تتطلب ممارسة السياسة بشكل محترف، والتعلم الإيجابي من تجارب الماضي، وتصفية نقاط التوتر بين مكونات المجتمع السياسي، والإصرار والتواضع السياسي في نفس الوقت، وممارسة النقد الذاتي والمساءلة والالتزام بالعمل المرحلي.
أمامنا في الأردن فرصة يندر أن تتكرر لدى مجتمعات المنطقة الأخرى لبناء كتلة تاريخية ديمقراطية، عبر تجديد نخب المجتمع والدولة، والدخول في إصلاح فعلي بالاندماج في الهوية والديمقراطية والمشاركة والتنمية العادلة. وتعتمد هذه الفرصة على مصدرين: الأول، حركة التغيير الاجتماعي الاقتصادي السلسة أو الهادئة على الرغم من كل ما يقال حول الجانب الاقتصادي؛ والمصدر الثاني، مدى قدرة الدولة على التعامل مع مرحلة تصفية الصراعات الإقليمية السائدة، وحاجاتها الحقيقية إلى المبادرة الداخلية لمصلحة الأهداف السابقة، قبل أن تخضع لمزاج التصفيات الإقليمية الجارية في هذا الوقت ومصالح أطرافها.
إن الكتلة التاريخية الوطنية على قاعدة الديمقراطية تمثل اليوم الإسعاف الحقيقي، والحلقة المفقودة بين المطالب الفئوية والمصالح الوطنية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد