تأتي ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة وسط أزمة إعلامية محلية، لا تتوقف عند اعتقال صحفيين والتضييق على الحريات العامة، بل تتجاوز ذلك إلى تشريعات سوف تشكل سابقة في التعدي على الحريات الإعلامية، وتحديدا تقييد الصحافة الالكترونية؛ أي ضربة نوجهها للحاضر والمستقبل معا.
ثمة معاندة عصية على الفهم لمقاومة التقدم في الحريات الإعلامية. فخلال العامين الماضيين، مارس الناس حرية التعبير نتيجة الإحباط والشعور بالنقمة، بشكل لم يبق معه في البيت أسرار. فقد أدى فتح ملفات الفساد، إلى جانب قوة التعبيرات التي أطلقها الحراك الشعبي أحيانا والتي تجاوزت سقوفا بعيدة، إلى نوع آخر من الشفافية والوضوح الذي فرضه الناس وأثبت أن لا قيمة لثقافة التستر والسرية، مقابل قيمة ما توفره منابر حرة ومنظمة للتعبير من خلال وسائل الإعلام.
ربما سنشهد في الفترة القادمة موسما خاليا من السجال حول حريات التعبير، وفي مقدمتها حرية الصحافة، لكن الخلاصة المهمة التي يجب التركيز عليها وتصعيدها في وعي المجتمع إلى حين بدء موجة جديدة تنقل السجال المحلي إلى ساحة المناقشة النافعة؛ مفادها أن الحرية وحدها هي التي تعلم المسؤولية وتوطنها، وهي التي تحمي الأوطان، وهي بيت أسرار النهوض والتغيير، وبالتحديد في مجتمع ما يزال يفتقد الاتفاق على القيم السياسية الكبرى. "الحرية هي التنمية"، وبدون حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، والحق في الاختلاف والتعدد والتنوع، لا قيمة حقيقية للمؤسسات وحوار السياسات وتطوير التشريعات وإيجاد التنظيمات المدنية وشبكات الاتصال وبحوث التطوير، وكلها بدون ذلك ستكون تراكما كميا لن يتحول في يوم إلى منجز نوعي.
وكما يرى المفكر الهندي "أمارتيا صن"، والذي توصف بلاده بأنها أكبر مجتمع متعدد حر في العالم، فإن حرية التعبير، وقبلها حرية المعرفة والوصول إلى المعلومات، هي الأساس الذي طالما أُهمل في بناء مجتمعات أكثر عدلا وتسامحا ورفاها. فحرية المشاركة في التقييم النقدي هي الطريق لصياغة القيم الكبرى الجديدة، وهي من أهم الحريات الحاسمة للوجود الاجتماعي المعاصر، وأداتها الأولى تتمثل فيما يتوفر لوسائل الإعلام من حريات.
في الأردن، لدينا أطراف في المجتمع والدولة قد تتناقض فيما بينها في قضايا وقيم عديدة، لكنها تلتقي حول الخشية والريبة من تمدد حريات التعبير. وهي لديها مبرراتها ومخاوفها التي تطرحها أحيانا من منطلق تفسيرها الراهن للمصالح الوطنية. وهذا الوعي المربك هو أحد نتائج غياب حرية التعبير وعدم توطينها في الثقافة السياسية المحلية. هكذا نجد أن حرية التعبير تختصر في سلوك فئة قليلة تستثمر الهوامش المتواضعة للتعبير في الإساءة لقيم حرية التعبير ذاتها. وهذا السلوك هو نتيجة تواضع هذه الحرية؛ فالحرية عبر التاريخ تعلم المسؤولية، وتعمل على تجزئة القوة في المجتمع وتمنع احتكارها.
ظهر تيار المسؤولية الاجتماعية للصحافة، وأخذ أطره النظرية والمعرفية، في النصف الثاني من القرن العشرين، وحدد مضامين جديدة للوظائف والمعايير والقيم المهنية. وفي المستوى الأخير، تم التركيز على معايير جمع الأخبار؛ كاحترام الخصوصية، وتجنب صراع المصادر وصراع المصالح، ومعايير كتابة الأخبار انطلاقاً من أن الصحافة تمارس في العالم المعاصر مسؤولية وسلطة، ما يعني أهمية التفريق أثناء الممارسة بين الإلزام والالتزام، ثم العلاقة بين الحرية والمسؤولية. فالتزام الإعلام بحماية الحقيقة وحراستها هو جوهر الالتزام بحماية مصالح المجتمع، مهما كان تصنيف الحقيقة ومضمونها؛ وهنا تكمن المهنية. وهذا الالتزام يجب ألا يحكم بأي نوع من أنواع الإلزام السلطوي أو الأيديولوجي، فالمسؤولية الاجتماعية تتحقق بتعظيم معايير المهنية وقيم جمع الأخبار ونشرها، وحرية الوصول إلى مصادر المعلومات، وتتعزز بتحرر الوسائل من ملكية السلطة ومن الأطر الفكرية الجاهزة.
حرية التعبير بالفعل تُوطن المسؤولية، وبدونها سيبقى الحديث عن التنمية ومشروع الإصلاح والمواطنة والانتماء ضروبا من الأحاجي والألغاز التي لا ينتظر أن تحسم في يوم ما، بينما لم يعد في البيت أسرار يخشى عليها أحد.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد حرية الإعلام