يحتل النقاش حول العلاقة المتبادلة بين الدين السياسي المعاصر وبين الإعلام، مساحة واسعة من المناقشات الساخنة، السطحية منها والعميقة، التي تسيطر على المجال العام العربي في المرحلة الثالثة من التحولات العربية التي أعقبت حركة الثورات والاحتجاجات.
الأسبوع الماضي، نُظم في عمان مؤتمر في هذا السياق، بعنوان "الحرية، الدين والصحافة". وأود أن أشارك القراء بثلاث أفكار حول هذه العلاقة لم تطرح في المؤتمر، رغم ما قدمه المشاركون من إضافات قيمة.
الفكرة الأولى: أبرزت التحولات العربية حجم القوة الناعمة لوسائل الإعلام، وكيف تمارس هذه الوسائل دور الجهاز العصبي للناس وللنخب والمؤسسات. وما تزال المعركة محتدمة بين أطراف المجتمع السياسي التقليدي للسيطرة على هذه المنابر، وقد لاحظنا كيف خبت قوى التغيير الحقيقية وتراجعت منذ نهاية المرحلة الأولى من "الربيع العربي"، فهي بلا منابر.
تقدر الاستثمارات العربية في الفضائيات الناطقة بالعربية بما يتجاوز 18 مليار دولار، بينما حجم العائد الإعلاني العربي للفضائيات لا يتجاوز مليارا ونصف المليار دولار. ما يعني أن الفرق بين حجم ما أُنفق في الاستثمار وبين العائد المادي هو استثمار سياسي، العائد المنتظر منه دعاية سياسية أو دينية. وهو ما لم يحدث إلا في هذا الجزء من العالم.
ازداد عدد الفضائيات العربية بشكل كبير منذ العام 2011، فوصل مع منتصف العام الحالي إلى نحو 740 قناة مفتوحة، قرابة 28 % منها قنوات دينية. وقد حققت هذه الأخيرة زيادة بنحو 300 % خلال هذه الفترة. فبعد أن كان هناك 43 قناة دينية في العام 2009، وصلت إلى 143 قناة في العام 2012، ونحو 160 قناة في العام الحالي. وهذه القنوات تصنف باعتبارها منابر إعلامية موزعة على المذاهب الدينية الإسلامية، إلى جانب ظهور قنوات مسيحية. وبالمجمل، يمكن تمييز الخطاب الأيديولوجي والطائفي لكل منها بسهولة. هذا إضافة إلى وجود مجموعة أخرى من القنوات "المتخصصة" بالدجل والشعوذة باسم الدين.
كما برزت قنوات دينية متخصصة، أهمها القنوات الموجهة للأطفال، والتي يبلغ عددها نحو ثماني قنوات حاليا. والملاحظ أن نحو 92 % من هذه القنوات مملوكة للقطاع الخاص، والباقي للحكومات.
وبكل الأحوال، فإن هذا الهجوم الإعلامي الديني في الفضاء العربي يفتقد أي وسيلة متخصصة بالشؤون الدينية تعمل وفق أسس مهنية واضحة؛ أي قناة متخصصة بالشؤون الدينية تتبع أخبار الأديان وتُعرّف بها، وتشرح القضايا الدينية، وتتابع أخبار الصراعات الدينية، على أسس مهنية.
وعلى المستوى الرقمي، فقد شهد المحتوى العربي على شبكة الإنترنت نموا هائلا خلال هذه الفترة، تجاوز نسبة
2400 %. وعلى الرغم من أنه لا يوجد تصنيف علمي بشأن مضامين هذا المحتوى، إلا أن من الواضح سيطرة الخطاب الديني الجديد عليه.
الفكرة الثانية: إن التطرف السياسي هو الذي حرك الراكد الديني وأخرجه، وهو الذي جعل من الصحافة ووسائل الإعلام، في أحيان كثيرة، أدوات في أيدي المتطرفين السياسيين والدينيين، فلا فرق؛ بمعنى أن جوهر الأزمة وبيت الأسرار هو في التطرف السياسي الذي استدعى التطرف الديني، ووظف من أجله أدوات الإعلام والثقافة. وهذه الحقيقة تشير إلى حجم الأمية الديمقراطية والفقر السياسي اللذين ما يزالان يبعدان شعوب هذه المنطقة عن إنشاء دول لكل مواطنيها، تؤسس على التعدد المبدع، وتحترم التنوع وتحرص عليه.
الفكرة الثالثة: على الرغم من الأرقام السابقة التي تدل على حجم الغنيمة التي تدفع الصراع السياسي في المنطقة العربية إلى توظيف الدين في الإعلام، فإننا لا نجد انتباها حقيقيا لخطورة ما يحدث على المجتمع، وخطورته على ممارسة السياسة واحتمالات توطين الديمقراطية، كما خطورته على الدين نفسه، ثم خطورة كل ذلك على الإعلام. ما يدلل على حجم ما نحتاجه من جهود كبيرة في توطين الصحافة الاندماجية في العالم العربي؛ أي الصحافة القائمة على التنوع. وهو ما يتطلب المزيد من الجهود من أجل تحسين تغطية وسائل الإعلام العربية للقضايا والشؤون الدينية، والحد من نشر خطاب الكراهية والتطرف. وهذا يتطلب بدوره كشف حجم التشويه والفوضى في هذا المشهد، الذي يشكل الأجيال التي يُنتظر منها أن تدشن التغيير.. أو الردة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد