زهرٌ لا ينتهي .. عندَ آخرِ محطةٍ للمطرْ ، أنحني إلى جانبِ الزهرْ ، أنتظرُ نصيبي منْ فيضِ السماءْ ، وأنتظرُ ولادَتي على أكفُ اللحظةِ الأولى ، أسقطُ منْ أعلى الممرِ الضيقِ ، نصفيّ حياةٌ ونصفيّ موتْ ، حينَ الشفقْ ، آتي مَـعْ أحمرِ الأفقِ البعيدْ ، يلتقيني الغروبُ ؛ غريباً ، مغترباً ، مستغرباً ، حائراً في القديم ِ وفي الجديدْ ، القديمُ ، ذكرياتٌ في رحمِ الأمومةِ ، والجديدُ ، ما تبقى لي منْ حياةْ ، كيفَ ستكونُ الحياة ، وكيفَ سأحيا ؟ وأنا ما زلتُ لا أجيدُ قراءةَ سفرَ النجاةِ منْ عدمِ الوجودْ ، ولا أتقنُ الهروبَ منَ الهروبْ ، ولا أحاولُ التوحدَ في الأشياءْ ، ولا أصرخُ منادياً على نفسيّ في الغيابْ ، فالغيابُ سيئتي ، والمنفى مكانُ نوميّ الأخيرْ ، ولا أرحلُ كما ترحلُ الشمسُ في الغروبْ ، فأنا لم أخترْ الموتَ ، لأموتْ ، ولمْ أخترْ الحياةَ ، ولا الحريةَ ، ولم آخذ فرصةَ الجسدِ ، ولمْ أغتنمْ منحةَ الروحْ ، كانَ كل شئٍ فوقَ السيطرة ، فأنا غريبٌ ، في كلّ مكانٍ غريبْ ، وذكرايّ هناكْ ، تفتعل الصدفْ ، وتختلقُ الأكاذيبْ ، وتلعنُ النسيانْ ، عجزاً في العودةِ إلى الروحِ ، وعجزاً في السؤالِ عنْ المعاني ، لم أعدْ أحفظُ التاريخ ، ولم أعدْ أذكـرُ صوتَ الحمامْ ، وَلا الأغاني ، كم أكرهُ المكوثَ طويلاً بينَ زهرٍ يكرهُ الغرباءْ ، هذا الغريبُ كان يوماً هنا ، يقلمُ أظافرَ الأزهارْ ، ويرتبها خصلةً خصلة ، يلبسها ثوبَ الجمالِ ، وينحني ليقبلها ، ويشكرها ، كما يشكـرُ كل الأشياءِ الجميلة ، عندما تكونُ جميلة ، سماءٌ أقربُ من المعتادْ ، مطرٌ يمحي خَطايانا ، يثقلُ الهواجسْ ، ويغسلُ الزهرَ منَ الماضي ، مهدُ طفلٍ ، لم يكبرْ بعد ، كيْ يرى الأشياءَ كما هي الأشياءْ ، لا أشعرُ بشئٍ في الجوار ، لا البيتُ الدافئُ ، لا البحرُ المشوشُ ، لا الشاطئُ ، كم لبثتُ هناكَ ، كي يجتاحني النسيانْ ، ويبدلَ الأفكارَ عنّي ، كم لبثتُ هناكَ ، كي تتبدلّ وجوهنا في المرايا ، وتتغيرّ الأسماءْ ، التي ماتَ حاملوها من قبلْ ، تغيّر كل شئٍ ، وأيّ شئٍ ، إلا أنا ، فما زلتُ أحلمُ بالحلمْ ، وأموت في الموتْ ، وأخوض مع الحياةِ ، الصراعَ مع أضدادها ، وأطلّ من شرفةٍ سماويةٍ ، في مساءٍ فضيٍ ، بليلٍ قد يأتي ، لأكملّ المشهدَ الناقصَ ، منَ موسيقى الوجعْ ، وأعيش أبديةَ الغيابِ .. إلى الأبدْ ، لا أحدٌ يذكـرُ أيّ شئْ ، ولا أحدٌ يذكـرُ أيّ شئْ ، فلم يتبقى للرحيلِ ، سوى بضعُ مقدماتْ ، بدأتْ ، وبدأتُ على إثرها أنتهي ، بيــــــنَ زهرٍ لا ينتهي .. ثائر جهاد حرب أبو لبدة


المراجع

الموسوعة الالكترونية العربية

التصانيف

تصنيف :شعر   ملاحم شعرية