تشير المصادر الرسمية إلى أن تطبيق قانون اللامركزية المنتظر، يفترض أن يسهم في تمكين المحافظات من انتخاب مجالسها، ويعطيها فرصة أكبر في تحديد أولوياتها، وإدارة شؤونها التنموية، وتحديد احتياجاتها المالية التي ستدرج في قانون الموازنة العامة، بدلاً من الاستمرار في النهج الحالي حيث يتم اتخاذ القرار في المركز، وما على الآخرين سوى التنفيذ!

وبعد أن كانت الحكومة السابقة قد أوشكت على الانتهاء من وضع لمساتها الأخيرة على مشروع القانون المذكور، جاءت الحكومة الجديدة لتقرر إعادة النظر في مشروع القانون وإدخال التعديلات المناسبة عليه، من وجهة نظرها! وعلى الرغم من أن هذا حق للحكومة التي سترفع مشروع القانون إلى جلالة الملك لتوشيحه بالإرادة الملكية السامية، فإن مثل هذا السلوك قد يدفع البعض للتساؤل حول كفاءة مؤسسية اتخاذ القرار الحكومي التي اتخذتها الحكومات المتعاقبة شعارا كان غالبا ما يفتقر إلى المضمون!

على أية حال فان هذا الجانب، على أهميته، لا يشكل الأولوية في قائمة الإجراءات الواجب اتخاذها لإنجاح عملية اللامركزية. إذ يتوجب على الحكومة أن تبذل ما في وسعها من جهد لبناء القدرات المؤسسية في وحداتها المنتشرة في مراكز المحافظات ومدنها وقراها، حتى تصبح قادرة على اتخاذ القرار التنموي المناسب في الوقت المناسب، وتصبح مؤهلة لتحديد الأولويات في ضوء الميزة التنافسية للمحافظات والتحديات التي تواجهها من فقر، أو بطالة، أو ضعف في البنية التحتية، أو انتشار لأمراض معينة، وما شابه ذلك.

وبما أن موازنة العام المقبل سيتم تصنيفها حسب المحافظات، كما صرّح وزير المالية مؤخراً، فإنه يفترض، بل يتوجّب، أن تكون هذه الوحدات قادرة على تحديد النفقات الرأسمالية والجارية لمختلف البرامج والمشاريع التي سيتم تنفيذها وتقدير الإيرادات التي سيتم تحصيلها سواء من الحكومة المركزية أو من أية مصادر أخرى! كما يجب أن تكون هذه الوحدات قادرة على متابعة وتقييم البرامج والمشاريع التي سترفعها إلى المجالس المحلية لإقرارها، وأن تحدد بشكل واضح الافتراضات التي اعتمدتها في إعداد هذه المشاريع والمخاطر التي يمكن أن تواجهها.

وعلى الرغم من سعينا الدائم لنشر روح التفاؤل، فإن الموضوعية تدفعنا إلى القول بان هذه تحديات جمة لا يمكن التغلب عليها بين عشية وضحاها! فكما أسلفنا كانت الوحدات الحكومية في الميدان، ولسنوات طويلة، بعيدة كل البعد عن عملية اتخاذ القرار، واعتادت على أن تكون متلقية من المركز حيث كانت العلاقة بين الجانبين أحادية الاتجاه! وبالتالي فإن الحكومة مطالبة بحث الخطى لإعداد وتنفيذ البرامج التدريبية اللازمة لموظفي الميدان، على اختلاف مستوياتهم ومراكزهم، إذا أرادت تجنب الفشل لهذا النهج الذي يُعول عليه الكثيرون لتحقيق نوع من العدالة في توزيع ثمار التنمية بين مختلف مناطق المملكة!

وفي الوقت الذي كان يؤمل فيه أن تسهم وحدات التنمية التي أنشئت في المحافظات في معالجة بعض نواحي القصور في هذا المجال، فإن هذه الوحدات قد عانت هي الأخرى لوقت طويل من التجاذب بين وزارتي التخطيط والداخلية، وآلت في نهاية المطاف إلى وحدات تفتقر إلى القدرات المؤسسية المناسبة وأصبحت أشبه ما تكون بصندوق بريد بين مرجعياتها في عمان والمحافظات التي تعمل فيها، وبالتالي فقد أضحت هي الأخرى في مقدمة الوحدات التنموية التي تحتاج إلى الإصلاح وإعادة الهيكلة وبناء القدرات المؤسسية حتى تتمكن من إعداد دراسات جدوى علمية يمكن الاستناد إليها في تحديد الفرص الاستثمارية والتنموية ذات العائد الاقتصادي والاجتماعي.


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   د.تيسير الصمادي   اللامركزية   تنمية واقتصاد