وحدهم المتجهون إلى المطار يلمسون الفرق، بين البقاء مُكررين لأيامهم وأعمالهم حيث الاعتياد، وبين استعدادهم لكسر ذلك التكرار أملا منهم بأن السفر سيمنحهم شيئا مختلفا ومنتظرا.
نعم؛ هؤلاء وحدهم من يلاحظون أن الطرق التي تأخذهم خفافا إلى هناك تحمل معنى الرحابة والغنى برذاذ المعاني وباخضرار اللون لمسطحات البصر على جانبي الطريق إلى المطار، فهناك، وليس في كل أيامنا أو بلداتنا الذابلة بمواعيد التنمية المؤجلة، هناك فقط على الطريق للمطارات كصانعة للانطباع الاول عن البلدان يُغالب الاخضرار تقلبات فصول السنة المعروفة التي قسموها لنا وبسذاجة الحفظ الباهت في مدارسنا إلى أربعة فصول واضحة الملامح والهوية؛ طبيعة ومحاصيل غذائية وكأنها أزلية التقسيم ولن يطرأ عليها اي تبديل؟
المتجهون للمطار وحدهم من يعيشون كسر الاعتياد، فعلى بوابة المطار الداخلية ثمة معنيان متنافران كسهمين يجب المفاضلة بينهما، الأول يشير بحروف آمرة وتعالٍ غير خَجِل إلى صالة المغادرين مُطلقا لخيالك عنانه نحو المرتجى كمسافر، وسهم ثان يشير وبثقة الموقن إلى صالة القادمين تاركا لك حرية الاختيار في تخيل الفرحين وهم يشتركون مع الحزينين بدمع واحد ولكن بمذاق مختلف وموزع بين القادم برغبته وتوقه وبين قادم آخر اضطر للحاق بمراسم دفن عزيز أو إلقاء نظرة أخيرة ربما على محب تعرض لحادث أو عرض ما.
في المطار ثمة ضد واختلاف عن معنى الحياة التي ألفنا ولم يكن لنا خيار في اقترافها أو القدوم إليها عادة، فصالة القادمين تشبه بوحدانيتها مدخلنا إلى مطار العمر والحياة الأرحب التي نحن فيها الآن كأمر واقع ، فهو مدخل واحد لكل البشر القادمين للحياة والمدينة معا، بينما صالة المغادرين تحمل من الطرق ووسائل المغادرة الكثير من المعاني أو الخيارات، فبوسع أحدنا أن يغادر عبر الباب القانوني المسموح به في تذكرة للعمر، مكتوب فيها كما يبين المعتزلة "الإنسان مفقود بين لحظتين، الميلاد والوفاة"، أو أن يختار أي منا كبشر إحدى الطرق الأسرع لمغادرة مطار العمر إما حبا "حتى يصير الحب أنا ننتحر" أو البقاء حيث الاعتياد وسطوته على أيامنا وبلداتنا. وهذه مغادرة أيضا لوهج الحياة واستغناء ساذج عن ثمارها.
أخيرا وفي أحايين كثيرة تغدو رحلة الفلسفة والعمر معا بحجم سؤال الوعي الخلافي والغائب عنا غالبا، إذ ما الفرق بين سُبل الرحيل العديدة ما دامت النتيجة واحدة وهي مغادرة العمر عبر المطار أو من خلال بوابة الاحتمال، ففي الحالين نحن وأعمارنا وصراعاتنا، غنانا وفقرنا، علمنا أو جهلنا، وكذا نصوصنا وأحبارنا، دمنا أو دماؤهم، حلمنا او أحلامهم ما دام الانسان لم يعد إنسانا. وهذا هو جوهر السؤال ربما؟

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  د.غسان الطالب.   جريدة الغد   الفلسفة