عش دبابير لا يدر عسلا

أتفق مع ما جاء في الوثيقة المشتركة التي أطلقها ائتلاف "مبادرة" النيابي مع فريق حكومي، حول آليات النهوض بالتربية والتعليم والتقدم بهما للأمام.
وأرى  أن مضامين الوثيقة تستحق أن تكون نقطة انطلاق لمعالجة مظاهر اختلال التعليم العام والعالي عندنا، والذي بتنا نشعر باختلالاته كل يوم.
وأؤيد أن مخرجات التعليم تواجه اختلالات عميقة عمودية، يتوجب التوقف عندها، لوضع حلول ناجعة لها، قبل أن تقع الفأس في الرأس، ونصبح بين عشية وضحاها من دون أسس تعليمية واضحة ومحددة، ونجد بعد ذلك أن الأجيال الناشئة تتراجع خطوات، والسبب هو التربية والتعليم والأساليب التلقينية غير المعرفية التي تعتمد في مدارسنا ومناهجنا.

 

فعندما تتحول الجامعات إلى ساحات معارك على خلفيات جهوية من دون الاهتمام والتركيز على التحصيل العلمي والأكاديمي، يصبح الطالب في الجامعة عندئذ ممثلا للعصبوية والفئوية، ولا يجد إلا السلاح أو اليد أو "القنوة" وسيلة للحوار. ولذلك، يجب على الدولة التوقف وإعادة النظر في أساليب التربية التعليم والمناهج ومخرجاتها.

 

أثناء مطالعتي للوثيقة، وجدت أنها قدمت أفكارا واقتراحات وتوصيات لمعالجة هذه المشاكل الخطيرة، بالإضافة إلى تقديمها الكثير من الأفكار التنويرية والإصلاحية التي تستحق أن يتم الوقوف عندها، ووضعها موضع التنفيذ الدقيق، سواء ما تعلق منها بالتعليم العام، والمسارات التعليمية المختلفة أو التعليم العالي، وتعزيز فكرة الحاكمية والاستقلالية في الجامعات، أو ما تعلق بامتحان "التوجيهي" وتطويره.

 

الأمر الضاغط الذي يدفع الدولة بكل أجهزتها ومجتمعها المدني للأخذ بأفكار إصلاح التعليم، هو ما نشهده يوميا من تراجع لمنظومة الفكر الإصلاحي الليبرالي المتنور، واستحضار أفكار محافظة ظهرت في المشهد العام تهدد الاستقرار العام.

 

للأسف، استفاد بعض المحافظين من البنية التعليمية والثقافية التي لم تتطور منذ سنوات، وتقوم على التلقين من دون المعرفة، وحشو المعلومات من دون التفكير، لبث توجهاتهم وأفكارهم المحافظة؛ فتمددوا وأثّروا على أجيال ناشئة بأفكار ومعتقدات ضيقة، تعتمد على رفض الآخر بغض النظر عما يحمل من أفكار وتوجهات.
بعض هؤلاء المحافظين يحاول وقف أي فكر تنويري يقودنا نحو دولة مدنية جامعة وحضارية، وعصرية، ويسعى للأسف، إلى تكريس المجتمعات المغلقة التي لا علاقة لها بالتطور العالمي، ولا ببناء الدولة المعاصرة.   

 

وزاد يقيني بأهمية الذهاب مباشرة نحو تطوير المناهج التعليمية والأكاديمية والنهوض بهما، وأنا أطالع يوميا ما جادت به قريحة أولئك البعض الذين صنّفوا أنفسهم دون غيرهم كغيورين على الدولة، ورأوا في منح حقوق مدنية لأبناء سيدات أردنيات متزوجات من أجانب مقدمة للتوطين، ففتحوا عش دبابيرهم، وكأننا لا نعترف بالأنثى كجنس آخر، ونريد رميها في الجب.
أولئك مسكونون بفكرة المؤامرة، ونصبوا من أنفسهم متحدثين عن جمهور الأردنيين بكل أطيافه، رغم أن بعضهم لم نسمع له صوتا ولا فعلا ولا رأيا سابقا، ليخرج علينا فجأة بأفكار تفرق ولا تجمع، تشتت ولا توحّد.

 

لذلك، ولأسباب أخرى كثيرة، أؤيد إجراء مراجعة جذرية لمحتوى المناهج الدراسية المعتمَدة من قِبَل وزارة التربية والتعليم، يكون الهدف إثراؤها بالأنشطة التي تسهم في تطوير القدرات العقلية ومهارات التعلم المستمر لدى الطلبة، إلى جانب إشراك الطالب في عملية تعلُّمه، والانتقال بالمناهج من مربع نقل المعرفة إلى مربع توليد المعرفة، ومن مرحلة التعليم إلى مرحلة التعلم، لعل وعسى أن نستطيع وقتذاك وضع قدمنا على طريق إصلاح شامل حقيقي.
لم لا نذهب بدولتنا للأمام، ونترك عش الدبابير الذي لا يدر عسلا، ونتقدم للأمام بثقة وثبات؟

 

موقع خبرني.


المراجع

khaberni.com

التصانيف

صحافة  جهاد المنسي   موقع خبرني   العلوم الاجتماعية