تعلّم تجربة أميركا اللاتينيّة والوسطى درساً مهماً للمستعجلين العرب (وطبعاً الأميركيين) في طلب النظام الديمقراطي الكامل الشامل(على طريقة "الآن الآن وليس غداً"). ففي القارّة المذكورة بدأ الالحاح على الديمقراطية في الثمانينيات، وتعزّز خصوصاً في التسعينيات مع انهيار الكتلة السوفياتية والارتياح الغربي الذي أطلقه انتهاء الحرب الباردة. وما لا شك فيه ان الدكتاتوريات العسكرية اللاتينيّة، اليميني منها واليساري، التي كانت تفتك بتلك القارة، كانت تجعل ذينك الإلحاح والاستعجال مفهومين، وبمعنى ما منطقيين.
وبالفعل، راحت الدكتاتوريات تتداعى الواحدة بعد الأخرى، وعلى أنقاضها جعلت تنشأ أنظمة سياسيّة تعتمد الانتخابات النيابيّة وسيلةً وحيدة في قيام السلطات كما في تداول القوى السياسيّة والحزبيّة عليها.
بيد ان الانتقال الى النظام الديمقراطي، ومعه اقتصاد السوق الحرة المفتوحة، من دون المرور في حكم القانون، أوجد نتائج بالغة الالتباس والغرابة. فالنُخب الجديدة المدنيّة، أو معظمها، حوّلت السلطة التي حصلت عليها عبر عمليّات الاقتراع الى مدخل لتوسيع شبكات التزلّم والنفوذ غير المشروعين. وتبعاً للانتقال من فراغ قانوني وطّدته الأنظمة العسكريّة المخلوعة، عجزت المؤسسات عن احتواء العمليّة الاقتصاديّة الجديدة وقونَنَتها. هكذا سطع النهب والفساد والرشوة على أوسع نطاق ممكن، ونيط بالسكّان الأشدّ فقراً أن يدفعوا أكلاف التحوّل الباهظة. وفي آخر المطاف، شرعت الكتل الشعبية العريضة التي كانت قد طالبت من قبل بالديمقراطيّة الفوريّة وتحمّست لها، تراجع حساباتها وتخلط أوراقها. وكما بات معروفاً، تأدّى عن تلك المراجعة التصويت الكثيف، في أكثر من بلد لاتيني، لمرشحي اليسار الراديكاليّ، وظهور أصوات متعاظمة تقول جهراً إنها تفضّل الحفاظ على مستوى معيشتها والتمتّع بقدر من الاستقرار ولو من دون ديمقراطية، على نظام ديمقراطيّ يرافقه تردّي مستويات المعيشة لدى السكّان وانهيار استقرارهم السياسي والاجتماعي والأمني دفعة واحدة.
والحال ان المقصود من وراء استشهاد النموذج الاميركي اللاتيني ذاك بسيط ومباشر: ذاك ان الديمقراطية – وهي، من غير شك، أهم القيم السياسيّة في عالمنا المعاصر – تأتي تتويجاً لإنجازات كبرى يعيشها المجتمع المعنيّ، أيّ مجتمع. ولا تكون، بحال من الأحوال، مجرد بديل من تلك الانجازات أو طريق مختَصر اليها.
فإذا هيمن التأويل الأخير وجدنا أنفسنا نفرّغ الديمقراطية من سائر مضامينها الغنيّة ونُحيلها، تالياً، الى مجرد انتخابات نيابيّة. فالديمقراطية تنتسب، في التحليل الأخير، الى الأفق التاريخي نفسه الذي ينتسب اليه العيش في سلام بعيداً من الحروب، والتعويل على تحسين الأداء الاقتصادي وتوسيع حضور الطبقة الوسطى، واصلاح الثقافة الدينية ومناهج التعليم، وتمكين المرأة ومساواتها بالرجل، فضلاً عن تكرّس الاجماع الشعبي العريض حول طبيعة الوطن وحدوده. فحين تكون هذه العناصر كلها ضعيفة الحضور، وربما معدومته، يكون اختيار الديمقراطية وحدها تعزيزاً لقوة الفئات التي لا تملك من القوة إلا العدد، فيما تفتقر عدديّتها تلك الى المعاني التي لا تقوم المجتمعات ولا تنهض الا بها.
والمثال الذي لا يزال الأنصع والأدلّ على ما نقصده انتخابات ألمانيا في 1933 التي وصل بنتيجتها أدولف هتلر وحزبه النازيّ الى السلطة، فكانت الكارثة التي عاشها العالم ولا زالت آثارها تقضّ مضاجعه. ذاك أن الألمان الذين صوّتوا لـ"الفوهرر" كانوا مأزومين اقتصادياً بسبب انهيار مريع أصاب عملتهم، فاقمته ظروف الكساد الاقتصاديّ العالمي الذي انفجر في 1929. بيد أنهم أيضاً كانوا يعانون رضّة عميقة قادتهم اليها الهزيمة المُرّة التي أصيبت بها ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، وما تلاها من صلح فرساي المُذلّ. وبالطبع، صوّتت لهتلر أعداد من الألمان الذين لم يكونوا قد تصالحوا مع فكرة الوطن الألماني بحدوده القائمة، ظانّين أن من حق بلادهم أن تضمّ اليها كل الأراضي الواقعة في أوروبا الوسطى التي يقطنها أبناء الاثنية الألمانية. وغني عن القول إن ظروفاً كهذه حريّة بالعلاج قبل التوجّه الى صناديق الاقتراع، لأن الانتخاب، في ظل التأثّر بوطأتها الممضّة، لا يفعل الا إرسال المجانين والديماغوجيين والشعبويين وكافة أصحاب الوعود الوهميّة المنتفخة الى الجمعية التأسيسية. وهذا تحديداً ما حصل.
والراهن ان الولايات المتحدة الأميركيّة في عهدها البوشي، وتحت وطأة الانفعال بجريمة 11/9/2001، تصرفت بموجب هذه العقلية الأحادية في طلب الديمقراطيّة لنا من دون العناية بشروط انتقالها الينا أو انتقالنا اليها. فلو ان بعض الجهد الذي بذلته واشنطن لإحلال الديمقراطيّة فوراً، بذلته في سبيل حل النزاع الفلسطيني- الاسرائيلي وإحداث بعض الاسترخاء في أعصاب المنطقة وشعوبها، أو لو أنها ركّزت على برنامج تحديثي عماده الانعاش الاقتصادي المرفق بالضغوط السياسية لتبنّي الاصلاحات السياسية والاجتماعية، لكانت خدمت، على المدى البعيد، قضية الديموقراطية اكثر مما فعلت.
فالعراق، بعد حربه، لم يستطع ان يكون النموذج الذي طمحت اليه الولايات المتحدة ومستعجلو الديمقراطية من العرب(الليبراليّون الجدد، حسب التسمية الشائعة). أما الانتقال من الضغط المطلوب على الأنظمة من أجل الاصلاحات السياسية والاجتماعية اللازمة الى هزّها وتهديدها، فلم يثمر غير مزيد من الفوضى وحدّة الاستقطاب السياسي والاجتماعي. ذاك انه، في ظل غياب البدائل الديمقراطية القوية، غدت المجتمعات المعنيّة نفسُها مهدّدة بصعود العدد الأصولي المناهض لكل أبعاد الحداثة، ما عدا بُعدها الانتخابي، والذي لا يستطيع أي كان ان يضمن احترامه للعملية الانتخابية بعد الوصول الميمون الى السلطة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حازم صاغية