قبل أيّام قليلة "احتُفل" بالذكرى الرابعة لحرب العراق: بعضهم سمّاها احتلالاً واستعمل المناسبة لتجديد الهجوم على الولايات المتّحدة وسياستها، وبعض هذا البعض لم ير غضاضة في امتداح صدّام حسين "البطل العربيّ الأصيل والشجاع". في المقابل، استخدم بعض آخر تسمية التحرير، ومن على منصّة التسمية هذه، واهتداءً بها، جُدّد الهجوم على صدّام ونظامه، كما أُعلن الفرح العميم بـ"الفجر الديموقراطيّ البازغ" في بغداد.
واقع الحال ان ما عرفه العراق هو تحرير واحتلال في وقت واحد: فهو تحرير لأن الأكثريّة الساحقة من شعب العراق كانت ترزح تحت نظام بالغ البوليسيّة، بعيد القمعيّة، لم تنتخبه ولم يكن لها يد في تغييره أو تعديله. وهو احتلال لأن من نفّذ تلك المهمّة لم يكن طرفاً عراقيّاً، بل دولة أجنبيّة لم تتقيّد بالقانون الدوليّ ومؤسّساته، فضلاً عن امتلاكها مطامع ومطامح في العراق وفي سواه من البلدان المجاورة.
بيد أن هذا التضافر بين الاحتلال والتحرير لم يكن حكراً على العراق. فالقوّات الأميركيّة احتلّت بلدان أوروبا الغربيّة التي خضعت للنازيّة وحرّرتها، وهو ما فعلته في اليابان التي امتدّ احتلالها لفترة زمنيّة أطول، كما انطوى على إعادة هيكلة شاملة للبلد انطلاقاً من الدستور الشهير الذي وضعه الجنرال ماك أرثر.
إذاً، ليست المشكلة، من حيث المبدأ، في الاحتلال بذاته. فهو، على رغم أخطائه الرهيبة وأطماعه المؤكّدة، يمكن أن يمهّد لأوضاع كتلك التي استقرّت عليها اليابان وأوروبا الغربيّة بعد الحرب العالميّة الثانية، تجتمع فيها الديموقراطيّة والأمن والازدهار الاقتصاديّ.
ولا بأس هنا بأن نفتح هلالين فنقول إن الاحتلال هذا ارتكب من الأخطاء بعض أشدّها حمقاً ورداءة: من ذلك، مثلاً، حلّ الجيش والادارة برمّتهما واعتماد نهج "اجتثاث البعث" الذي فُهم بوصفه تهميشاً للطائفة السنيّة بجملتها. ثم، إذا ما نظرنا الى الحرب بموجب منظور أعرض، لاحظنا كيف أن الرغبة في إقامة الديموقراطيّة تلت سنوات الحصار الذي كاد يستأصل الطبقة الوسطى العراقيّة. وغنيّ عن القول إن لا ديموقراطيّة ولا ما يحزنون من دون طبقة وسطى. وهذا ناهيك عن أن الحرب نفسها، التي تستهدف دمقرطة المنطقة وإضعاف قوى التطرّف، كما قيل، لم تؤدّ عمليّاً إلاّ الى تقوية الأصوليّة الإيرانيّة ونفوذها، الشيء الذي سهّلته "هفوات" بعضها سياسيّ وبعضها تقنيّ وعملانيّ (نقص عدد الجنود وعدم جمع السلاح).
ومن دون أن نذهب الى أن تسوية النزاع الفلسطينيّ – الاسرائيليّ شرط شارط لكلّ ما يحصل بين المحيط والخليج، يبقى أن من الخطأ التعامل مع المشكلة العراقيّة كبديل للتعامل مع النزاع المذكور. ولأن هذا ما حصل، تُرك استخدام نزاع الشرق الأوسط حجّةً لبعض الأنظمة التي لا تريد السلام للعراق ولا تريده لفلسطين، كما لبعض الارهابيّين وعديد المتعاطفين معهم في العالمين العربيّ والإسلاميّ.
لكن الاحتلال "السيّئ" يُفترض ألاّ يفاجئ، إذ الاحتلال يكون، من حيث المبدأ، سيّئاً. ما يفاجئ، في حالة العراق، ذاك العجز عن توليد إرادة وطنيّة واحدة تفضي، في آخر المطاف، الى التحرير، أو حتى الى مباشرته. وبالنتيجة، وجدنا أنفسنا أمام أسوأ احتلال لأنه لا يفضي الى تحرير، وأمام أسوأ تحرير لأن "المقاومات" التي ترفعه لا تملك أيّ بديل وطنيّ من الاحتلال.
والراهن أن ما آلت اليه أوضاع بلاد الرافدين تحملنا على ان نخفض كثيراً سقف الطموحات لنقول إن المفاجئ هو العراق نفسه وقد تكشّف عن رقعة من الدم والحقد لم يكن ليتخيّلها أصحاب أكثر الخيالات جموحاً. وفي المعنى هذا، لم يعد التحرير مطروحاً على أجندة العراق لأنه غدا أشبه بطموح طوباويّ، بل حلّ محلّه طلب وقف التفسّخ العنفيّ والدمويّ الذي يستحيل بعده الخروج بعراق واحد موحّد.
وهنا، تحديداً، يقيم المسكوت عنه: فنحن إنما نكابر رافضين الإقرار بتلك الحقيقة الرهيبة وهي اكتشافنا لذواتنا الجماعيّة، ولما انطوت، وتنطوي، عليه تراكيبنا الأهليّة وثقافتنا العامّة. ولهذا السبب بالذات استحال، في العراق، الانتقال من الاحتلال الى التحرير، فتبدّى ضعف القدرة والاستعداد لإنجاز هذا التحوّل الكبير. ذاك أن اليابانيّين والأوروبيّين امتلكوا من الشروط الذاتيّة ما لم نمتلكه، فأفضى تحريرهم الى تحويل الأنظار عن احتلالهم، أو لنقل إن إيجابيّات القدرة على إنجاز التحرير جبّت سلبيّات الخضوع للاحتلال، ومن ثم طمست وجهه البشع والعدوانيّ.
وهذا النقص لدينا، كعراقيّين أو كعرب، هو ما نسعى وراء إنكاره، ممارسين ذاك الإنكار بشطارة شيطانيّة، ومتجاهلين تماماً أية أشكال وأية مضامين ومعانٍ تكشّفنا، ونتكشّف، عنها.
فهذا الخراب العميق والعميم حليف الاحتلال المطلق، أي الاحتلال الذي لا ينجب تحريراً، إلا أنه أسوأ منه وأخطر. فهو ما يفعله واحدنا بالآخر، وما يترتّب عليه إعلان استحالة عيش واحدنا مع الآخر.
والحقّ ان تجربة العراق كانت لتشكّل، في ظلّ ثقافة سياسيّة ومجتمعيّة حيويّة، فرصة نموذجيّة لمراجعة علاقتنا بمبدأ الوطن والمواطنة، بل بمفاهيم الحداثة في أعرض معانيها – الحداثة التي مرّت من وراء رؤوسنا فاكتفت بالتماسّ الخارجيّ مع جلودنا، واكتفت جلودنا بالتماسّ الخارجيّ معها.
ولم يكن ينقصنا، وقد أعفينا أنفسنا من هذه المهمّة التاريخيّة، إلاّ أن يمضي معظم حكوماتنا في نهج من التجاهل مدهش، فلسفتُه أن أفضل الحلول عدم التوصّل الى حلّ!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد حازم صاغية