الفحل في أصل معناه: الذَّكر من كل حيوان، ثم صار ذلك الذكر الضخم المنجب ذا القوة الجنسية والجسدية الفائقة فَيُتَخَيَّر لضراب الإناث (تلقيحهن) والحصول على نسل قوي البنية، وقد يضاف الى ذلك الجمال، كما في الخيل والابل. ثم ذهب المعنى إلى القوة والشدة (استفحل أمر العدو: إذا قوي واشتد في العراك).
 غير أن الفحولة سرعان ما اتخذت لنفسها بُعدا آخر في سياقات أخرى كالشعر مثلا، ففحول الشعراء هم الذين "غلبوا بالهجاء من هاجاهم مثل جرير والفرزدق واشباههما"، وكذلك كل من عارض شاعرا فغلب عليه، مثل علقمة بن عبدة، وكان يسمى "علقمة الفحل" لأنه عارض امرأ القيس. ثم جاء ابن سلام الجمحي فألف كتابه "طبقات فحول الشعراء", فاستخدم الكلمة بمعنى "الشاعر الكبير المفْلِق". ثم ما لبثت الكلمة أن تأدلجت ودخلت حقل الأخلاق فصارت تعني الشجاعة والإقدام والصلابة النفسية. وجميعها صفات للذكر البشري عند مدحه والثناء عليه. غير أن الكلمة ومهما تجولت في المعاني، لا تنسلخ عن معناها الملتصق بالمقدرة الجنسية والافتخار بها. ومع ذلك، فإن الفحولة ظلت في المأثور المكتوب والشعبي وثقافة المجتمع العربي هي القدرة على ممارسة الجنس من دون وهن، مما هو أيضا افتخار الذكور وتباهيهم، مما لا يسمح للمعاني الأخرى أن تستقل بنفسها عن هذا المدلول الحسي المباشر.
 بمعنى آخر، فإن الرابط بين الفحولة المعنوية والفحولة الجنسية وثيق. وهو على أية حال رباط أيدولوجي، لأنه- ومن دون أن يدري- قد خص الذكور -من دون الإناث- بالشجاعة والقوة والصلابة النفسية. اذ لا يجوز "استفحال" الإناث, لأن المرأة اذا استفحلت كانت سيئة الخلق سليطة، وإذا النخلة استفحلت كانت لا تحمل. وهكذا وضعت الأيدولوجيا اللغوية احتياطها للفصل بين الذكور والإناث ومنع أي محاولة ثقافية للمساواة بينهما، فالفحولة - بكل معانيها الإيجابية- تخص الذكور، وما من سبيل إلى أن تخص الإناث بهذه المعاني الإيجابية لالتصاقها أيدولوجياً بذلك الدور الفسيولوجي والبيولوجي الذي يؤديه الذكور لإذكاء الحياة والحفاظ على البقاء. مع أن هذه المعاني تطلبها الحياة وتشترطها في صراع البقاء الذي يواجهه كل كائن بشري -بغض النظر عن جنسه- كلَّ صعود نَفَس وهبوطه. ذلك أن الحياة- يا لروعتها- لا تميّز بين ذكر وأنثى، وتطلب إليهما كليهما أن يتحلّيا أو يتخلّيا، والحياة لا توافق عن أن يذهب خُلُق إلى أنثى من دون ذكر أو ذكر من دون أنثى.. ولكنه الإنسان وجهل الإنسان، وتعنّت الإنسان وضيق أفق الإنسان!
فالعيب إذن في الثقافة التي توجّه المعنى وتحشره في الألفاظ. الثقافة التي توجه الدلالات وتملأ فارغها بالفحولة، فينتفخ الذّكر المسكين بالآمال والطموحات، ويعمل جاهدا على تلبية التوقعات التي سطّرها مجتمعة في دفتر مصيره، وعندما تخذله مقدرته البشرية يغدو في عين هذا المجتمع "مخصيّا" جبانا, ومن ثم, ذليلا مهانا.
وما هو هذا المجتمع الذي يعقد الآمال في حل مشكلاته الكبرى على أعضاء الذكورة وفحولتها؟ إنه ما من شك مجتمع لم يخرج بعد من فكرة "القطيع" الحيواني البهيمي... مجتمع لم يذهب بعد الى إنسانيته... والا ففيم يُبقي على هذه المفاهيم البدائية في رأسه? وَلِمَ ما يزال يتصرّف تجاه الحياة وتجاه المرأة كأنه "فحل ضِراب"؟

المراجع

alghad

التصانيف

صحافة  زليخة أبوريشة   جريدة الغد