سؤال الأزمة الاقتصادية لدينا ولدى الأشقاء العرب يمر على مفردتي الفشل والتراكم السلبي من دون إجابات واضحة، وسؤال الشرعية الذي يلاحق الساسة في دول العالم الثالث تنبثق عنه مئات الاسئلة عن طبيعة التحكم بالثروات والمال سواء كان البلد اشتراكيا ام رأسماليا، فلا فرق في العالم العربي بين الايديولوجيتين.
صحيح ان البلاد العربية خطت خطوات محدودة على طريق الخصخصة وبيع الأصول بغية تحسين شروط النمو والنهوض الاقتصادي، غير أن القطاع الخاص في بلادنا التي تحبو في مشهدها الاقتصادي تعرض لاختطاف شبه دائم من قبل السلطات التي تفكر لواقع المستثمر ومستقبله من دون أن يكون له رأي في الأفكار الرسمية التي تسعى دوما لإقناعه بما يريد وما لا يريد.
لماذا فشل القطاع الخاص العربي في إيجاد حلول لأسئلة البطالة والفقر والتهميش في المحيط العربي، وكيف يمكن فهم ان هنالك ثلاثة شباب عرب من بين كل عشرة عاطلون عن العمل، وانه اذا استمر الاداء على حاله، فإن الأعوام الثلاثة المقبلة ستشهد ارقاما فلكية لعدد العاطلين عن العمل ، وبما يجعل حاجتنا ملحة لنحو 80 مليون وظيفة لكي يتم حل لغز البطالة.
ولكن، كيف يقوى القطاع الخاص العربي وهو مستلب من قبل المؤسسة الرسمية على توفير الوظائف لنحو ثمانين مليون عاطل عن العمل، فالقطاع العام هو الذي يفكر في سمائنا ويتبعه القطاع الخاص، فإن اصابت الحكومات أصاب – وقلما يحدث ذلك– وإن فشلت فشل معها، وهو ايضا من يعد التشريعات اللازمة لتنظيم عمل القطاع الخاص، وهو – القطاع العام - صاحب الخطط الاقتصادية وعراب الرفاه، وهو الذي يدعو عددا من المستثمرين لمرافقته في جولاته الخارجية والداخلية، ليكون القطاع الخاص مجرد "كومبارس" في مسرحية الحكومات التي لا تنتهي.
تتيح الفرصة لمن يرقب براعة التجربة في العالم المتقدم مدى واهمية وقيمة القطاع الخاص في تلك البلدان التي سجلت تفوقا قياسيا في كل شيء تقريبا، كما يرى ان حجم الحكومات والقطاع العام عموما في ادنى مستوياته، فلا داعي لتضخيم حجم الدولة عبر صورتها الرسمية.
فمن الممكن ان تقدم المؤسسات غير الرسمية نجاحات وابداعات ورفاها وحياة افضل للسكان بمنأى عن القطاع العام وهو ما تراه بوضوح في سويسرا واوروبا وأميركا وعدد كبير من الدول الآسيوية وكذلك في بعض الدول الافريقية، لكنك حتما لا تراه في البلاد العربية التي تهيمن على كل شيء فيها الرؤية الرسمية بشكل تسلطي.
ولدينا في الأردن قدرة على أن يكون القطاع الخاص صاحب دور أكبر من حيث الحجم والكيفية في الحياة الاقتصادية، لكن الواقع العملي يجعلنا بعيدين كل البعد عن تلك القدرة، فالتشريعات الاقتصادية تسن وفقا للمزاج الحكومي وتنظيم النشاط الاقتصادي يجري بحسابات رسمية بحتة، ويحاول القطاع الخاص اللهاث وراء دور، لكنه لا يحظى به الا اذا كان حاصلا على الرضا الحكومي.
وثمة غرابة في هذا التراكم الغريب لعلاقة مشوهة بين القطاعين العام والخاص على المستوى العربي وحتى المحلي، فالأصل في القطاع العام أن يكون في خدمة " الخاص " بغية أن يأخذ هذا الأخير دوره في تحسين شروط الحياة الاقتصادية للدولة، وهو ما حدث في كل الدول التي حققت قفزات اقتصادية في العقود الثلاثة الاخيرة ، ولا اعلم لماذا يستعصي إحداث هذا التغيير لدينا.
القطاع الخاص المقيم في بلادنا يحتفظ بودائع تقارب 16.7 بليون دينار لدى البنوك ويحتفظ القطاع الخاص غير المقيم بنحو 2.4 بليون دينار ايضا، ولكن تشوه العلاقة الآنفة تسبب في تسلل الكثير من الأمراض الى القطاع الخاص ومنها التفرد بالادارة والبعد عن الحاكمية وتركيز الثروة في عائلات بعينها إضافة الى غياب الابداع والارتهان الى النمطية في العمل.

 

حسن احمد الشوبكي


المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  حسن احمد الشوبكي   العلوم الاجتماعية   الآداب