حنين طافح في المدينة، تجاه "عمّان التي كانت" في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، يعبّر عنه الجيل الذي عرف عمّان في تلك الأيام، وكان أفراده يومها في ريعان شبابهم: يبنون البلد، ويستمتعون بالحياة فيها. يستوي في ذلك من بلغ -منهم- مع الأيام مناصب ومواقع رفيعة في الدولة والمجتمع، ومن ظل من عامة الناس وبسطائهم؛ فلكلٍ حنينه إلى عمّان التي كانت، ونقده لعمّان التي صارت!
يقولون، إذن، إن هناك عمّان لا نعرفها، هي عمّان ذلك الجيل وحده. هنا، علينا ملاحظة أن خصوصية ذلك الجيل تتعدى وصف المكان وحسب، فهي تنبع أيضاً من معايشته ظروفاً مختلفة عمّا هو سائد ومعروف لدى جيل عمّان اللاحق، بخاصة في مجال القيم الاجتماعية التي يتفق الناس على أنها كانت أكثر انفتاحاً وتقدمية مما هي عليه الآن. لكنْ ثمة، هنا، سؤال يطرح نفسه بنفسه: هل في تراجع تقدمية القيم الاجتماعية اليوم، وانتشار قيم مختلفة قادت إلى العنف المجتمعي، وعدم قبول التنوع والتعدد في المجتمع، إدانة لجيل الشباب الحالي باعتباره "رجعياً ومتطرفاً"، أم إدانة لجيل شباب الخمسينيات لأنه لم ينجح في تربية جيل تقدمي ومنفتح من أبنائه وبناته؛ بمعنى أنه فشل فيما نجح فيه جيل آبائه، ولا علاقة لجيل الشباب اليوم بالقيم غير التقدمية السائدة، لأنه ليس هو من صنعها؟!
لعل ما كان متاحاً لجيل شباب الخمسينيات، لم يعد متاحاً اليوم، رغم كل ما يُقال عن شظف العيش في تلك الأيام، وعن صعوبة الدراسة وكثرة المهام الملقاة على الشباب. فأهم ما حظي به شباب الخمسينيات، ويُحرم منه جيل اليوم، هو وجود الفرص الحقيقية لإثبات الذات. فالبلد يومها كان في طور البناء والنمو، ما أنتج وفرة في الفرص بخاصة لمن تلقى قسطاً من التعليم، وجعل الحصول على الفرص محكوماً بأهلية الشاب وكفاءته. أما اليوم، فالوضع مختلف إلى حد كبير؛ إذ يعاني الشباب من ندرة الفرص، ومن عدم العدالة في توزيع ما هو متوافر منها. فالفرص الحقيقية في التعليم الممتاز، كالحصول على البعثات الجامعية للدراسة في أميركا، وفي الوظائف المؤثرة، ليست متاحة للأكفاء والمتميزين بالضرورة، وإنما قد تكون متاحة أكثر لأبناء أعضاء الطبقة السياسية والاقتصادية العليا. وهؤلاء الأعضاء هم بالطبع، من جيل شباب الخمسينيات الذين بلغوا المراكز العليا بفضل عدالة توزيع الفرص يومها!
كذلك، حُرم الشباب من النشوء في أجواء الوئام الاجتماعي التي عرفها جيل آبائهم. فقد تربى الجيل الذي يلاقي اليوم النقد والتقريع، على أفكار استقطابية مزّقت المجتمع، وأحدثت فيه توتراً وجهوية وعصبيات. هل سادت هذه الأجواء المستحدثة من دون مقدمات؟! أم أن الجيل الذي يوزع النقد اليوم هو الذي غرس تلك الأفكار في أولاده وبناته، فباتوا شباباً متوترين، محدودي الأفق، ومملوئين بالنزق؟!
هل من المنطق أن نسمع من جيل خمسينيات عمّان، اليوم، أن جيلهم كان أكثر وعياً وأكثر إقبالاً على البناء وأكثر تقدمية في قيمه الاجتماعية؟! هل من المنطق أن يحرم بعضهم الجيل الجديد من ظروف العدالة والتسامح التي تمتعوا بها، ثم يدين هذا الجيل لأنه رجعي ومتخلف؟!
لقد "بُني البلد" لأنه كان يستثمر كل طاقة ممكنة في شبابه وشاباته، في أجواء من الوحدة الاجتماعية. ونريده أن يواصل مسيرة البناء اليوم بأن يستثمر الطاقات الدفينة لدى شبابه وشاباته من الطبقات والمستويات كافة، وأن يستعيد ثقافة قبول التنوع والاختلاف في إطار الوحدة. ذلك أن أهلية مشاركة الفرد في البناء والتنمية ليست مما يُورّث، وليست مما يُحدد على أساس جهوي.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد