اتجهت الى باب الحوش وجلست على عتبته مرة أخرى ولم احتمل الموقف وانهالت دموعي حجارة على وجهي الغض ، واندفع الى خيالي نهر من التساؤلات .. أين أبي ؟ ماذا يعمل ؟ كيف يتركنا ؟ هل لذلك من سبب يستحق كل عذاباتنا هذه؟ متى يعود ..؟
راح الحزن يشطر قلبي مع كل خفقة .. فجأة سمعت صوت راعي الاغنام التي تعيش معنا في الحوش وهو ينهر اغنامه ويسوقها بعصاه نحو الباب .. فوقفت انظر اليها تتراكض وثغاؤها يملأ المكان وبدأت بلدخول الى الحوش، وشاهدت من بينها نعجة سمينة قذرة وقفت تحدق بي ، وكلمح البصر خيل لي ان النعجة تحمل وجه تلك السيدة ، فحدقت بدوري بها .. لحظات حائرة بين وجه النعجة والمرأة ، وانا أقف مكاني ، وكل منا تنظر للأخرى بغضب ورهبة وهممت بضربها ثم سمعت أختي تنادي فدخلت .
لم تكن النساء في ذلك الوقت تحظى بالكثير من الرعاية فهي الأم التي تعمل في تدبير شؤؤن بيتها .. اضافة الى العمل في الحقول والمزارع . ولم يكن هناك اهتمام كبير بكون المرأة حامل .. فهي تحمل وتلد بشكل تلقائي مثل أي أنثى في العالم .. البقرة ..النعجة ..القطة .. لا فرق .. هي وحدها تعاني وتتألم وتقوم على خدمة عائلتها ، وهذه مسؤوليتها ..أما الحمل والولادة فسنة الله في خلقه ... ووظيفة كل النساء.
عدت من المدرسة في اليوم التالي فوجدت خالتي زهر التي تعيش في المدينة في ضيافتنا، لم تكن متزوجة بل تعيش مع خالي الاعزب هو الآخر ... وقد آلمها ان ترى أختها الكبرى على هذا الحال ، سيما وان أمي هي التي قامت بتربيتها والعناية بها، بعد ان طلق جدي جدتي، ولولا عناية الله ووالدتي بها وببقية أخوالي لضاعوا في طرقات الحياة.
خمسة أطفال ... ثلاث بنات وولدان، أمي أكبرهم، أحدهم رفض الخروج وبقي في فلسطين في قريتنا سلمة ، والثاني مع خالتي في المدينة .
أما خالتي الثانية فقد تزوجت ابن عمها المدلل الذي لم يعرف كيف يكسب قوته بعد النزوح فعاش على هامش الحياة ..
بعد العصر خرجت خالتي لبعض الوقت ، ثم عادت مع خالي ابراهيم الذي انهال على أمي بالقبلات وهو يتلفت حوله متأملا ما يراه من جدران جرداء مظلمة حالكة ومنزل حقير ورائحة رطوبة ممزوجة برائحة العفن ورائحة الزيت والزيتون وقال :
ـ يا الله يا أختي .. يا الله تعالي أنت وأولادك .. لقد آن الأوان لرد فضلك علينا ، يا الله أحزمي أمتعتك .. قومي ساعديها يا زهر .
وتململت أمي قليلا فأسكتها خالي ثم قال :
ـ يا الله يا بنات سنرحل .. مرة أخرى مطرقة الرحيل .