علل عبدالرحيم ملحس امتناعه عن خوض الانتخابات النيابية في العام 2007، وهو الذي كان فاز في انتخابات العام 2003 بلا جهد يُذكر؛ مستنداً لثقة الناخبين بنزاهته، وبدون انتظار وعود انتخابية من أي نوع، علله بأن الجوهر الأبوي القبلي الذي تقوم عليه المجتمعات والدول العربية يمنع تحويل الممارسات الديمقراطية؛ كالانتخابات والعمل النيابي، إلى وسائل مدنية تكرّس فكرة المواطنة والمراقبة والمساءلة، بل يجعلها جزءاً من حالة الزيف والتمثيل التي تعيشها مجتمعاتنا. وهكذا، تحولت الديمقراطية –برأيه يومها- من طريقة للحكم إلى أداة للحكم.
زار وفد من حركة الإخوان المسلمين، التي خاضت تلك الانتخابات بحماس، الدكتور ملحس في مكتبه، فشرح لهم موقفه ورؤيته. لكن الإخوان كان لهم رأي مختلف، لهذا نشروا يومها تعليقاً على "موقف ملحس" في موقع الحركة على الإنترنت، قالوا فيه إنهم رغم اتفاقهم مع ملحس في التحليل، فإنهم يعتقدون أن الأجدى هو المشاركة في الانتخابات، لأن تلك الحالة التي تعيشها مجتمعاتنا ودولنا "حالة سطحية غير عميقة، تعتمد على مجاميع من المنتفعين والنفعيين. وبالتالي، فإن الغياب سيؤدي إلى إضعاف جهاز المناعة والمقاومة، وانتشار الفيروسات والطفيليات، وتعميق الأمراض، وبالتالي الوصول إلى شفير الهاوية".
اليوم، يرحل عبدالرحيم ملحس عشية حل مجلس النواب والدعوة إلى انتخابات نيابية جديدة على أساس قانون انتخاب جديد شكلاً وقديم مضموناً. الإخوان هذه المرة يملأون الدنيا احتجاجاً على القانون، ويرفضون المشاركة في الانتخابات، فما السبب يا ترى؟ هل نجحت "نظرية ملحس" واكتشف الإخوان صدقها؟ أم أنهم في الحالتين لم يكونوا معنيين بالوسائل المدنية التي تنهض بالمجتمعات، وتجعل الديمقراطية طريقة للحكم، لا مجرد أداة شكلية وحسب؟ وهل يمثل الإخوان المسلمون، من حيث المبدأ، تنظيماً مدنياً يحمل فهماً سياسياً مدنياً، ويمارس فعلاً ما يساهم في دفع المجتمع من الأبوية إلى المدنية؟
المتابع للسلوك السياسي لجماعة الإخوان في الأردن، يجد أنها بعيدة عن أن تحمل همّاً اسمه نقل المجتمع من الأبوية إلى المدنية، وعنوانه تفعيل قيم المواطنة. لا بل إنها منغمسة حتى أذنيها في استثمار الممارسات ذات الشكل الديمقراطي المدني، كالانتخابات والعمل النيابي، من أجل تحقيق مصالحها السياسية. ولنا في سلوك الإخوان تجاه الانتخابات النيابية التي تجرى منذ العام 1993 بجوهر واحد، أمثلة كثيرة على ذلك. ففي انتخابات العام 2007 نفسها، والتي ثبت تالياً أنها افتقرت إلى النزاهة، غضب الإخوان لأنهم لم يحوزوا العدد الذي كانوا يرمون إليه في مجلس النواب، واعتبروا ذلك استهدافاً لهم من أجل "تخسيرهم". لكنهم لم يغضبوا من حيث المبدأ من "البيئة غير المدنية"، سياسياً وقانونياً، التي أجريت فيها الانتخابات، والمتمثلة في ثقافة الانتخابات وقانونها، بدليل أنهم اعترضوا على فكرة عبدالرحيم ملحس وقرروا خوض الانتخابات. ولو أنهم فازوا يومها بعدد كافٍ من المقاعد، على طريقة انتخابات العام 1993 مثلاً، لاندغموا في الحياة النيابية وإفرازاتها السياسية تماماً، رغم أن البيئة غير المدنية قانونياً وسياسياً التي أجريت فيها انتخابات العام 2007 هي ذاتها التي جرت فيها انتخابات منتصف التسعينيات.
كيف لنا أن نقتنع اليوم أن اعتراض الإخوان على قانون الانتخاب، والانتخابات التي قد تجرى في مطلع العام 2013، ليس مدفوعاً بتركيزهم على ما يتحقق لهم من مكتسبات سياسية وحسب، وليس مقدار ما يتحقق للوطن والمجتمع من مكتسبات ديمقراطية تدفعهما نحو المدنية ثقافة وسلوكاً؟ ثمة دائماً ما يستند على "المصداقية" حتى في عالم السياسة. هكذا، صدق الناس عبدالرحيم ملحس في انتخابات العام 2003، وصدقوه في انتخابات العام 2007، مستذكرين موقفه من قضية الغذاء والدواء في العام 1994، فـ"الصدق" سيظل وحده دليل "المصداقية"!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة سامر خير أحمد جريدة الغد