مع بدء فصل الشتاء، وحتى قبله، تصاعدت جرائم الاعتداء على الثروة الحرجية والغابات والاشجار من حولنا، بحثا عن حطب في مواجهة ارتفاع اسعار المشتقات النفطية عقب رفع الدعم عنها منذ نحو عام.
 ورغم أن السنة الماضية والسنوات التي سبقتها كانت مسرحا لهذه الجرائم الا ان هذا العام يكتسب طابعا خاصا؛ اذ بلغت تداعيات الحالة الاقتصادية الى مستويات غير مسبوقة في جوانبها السلبية والشواهد كثيرة. الامر ليس افرادا او مجرد عائلات تبحث عن التدفئة وضاقت عليها الحالة المالية، بل مافيات تتحرك في المحافظات الشمالية والشرقية ومثلها الجنوبية، ولكن بدرجة ادنى، ولا تجد من يردعها، وهي التي استباحت الغابات ورفعت اسعار الحطب من نحو 50 دينارا للطن الواحد قبل اربع سنوات الى 250 دينارا للطن هذا العام، ومن سعى لمضاعفة اسعار مادة الحطب خمس مرات في بضع سنوات حتما سيعمل على توسيع رقعة البحث عن هذه المادة في طول البلاد وعرضها.
صحيح ان طنا واحدا من الحطب قد يقي عائلة كاملة برد الشتاء، والامر يستلزم 250 دينارا فقط لتأمين احتياجات مدفأة "البواري"، لكن ثمة مخاطر جمة تنطوي عليها وسائل المجموعات التي ترتكب جرائم بحق الطبيعة عبر حرق الاشجار وتكسيرها، الامر الذي زاد الطلب على الحطب هذا الموسم بنسبة تفوق 35 % مقارنة بالموسم الشتوي الماضي، وذلك في ظل استباحة هؤلاء لكل ما تطاله ايديهم في غفلة من الرقابة الفعلية او تساهل حكومي في التعامل مع هذا الملف الخطير اقتصاديا وبيئيا. قد نصحو يوما على مناطق كاملة بلا اشجار بلوط او صفصاف او صنوبر او زيزفون وكذلك السنديان واللزاب، فلصوص الحطب فعلوا الكثير ولديهم من وسائل التحايل ما يجعل خطرهم قائما ومستمرا، وهم الذين يقومون بنشر الاشجار بمناشير صامتة احيانا وفي احيان اخرى يفتعلون الحرائق الكبيرة في الاشجار والغابات وعندما تقوم فرق الدفاع المدني بإخماد النيران يعود اللصوص ليسرقوا خشب هذه الاشجار، في الوقت الذي يواصل فيه طوافو الاحراش دورهم التقليدي في الاشراف على سلامة الغابات من دون جدوى.
 ناقوس الخطر دق في سنوات ماضية وشكلت احصائيات الموسم الماضي مصدر تهديد لنا جميعا على المستويين البيئي والاقتصادي في شمال المملكة؛ حيث تم حرق 1100 دونم، فيها نحو اربعة الاف شجرة كبيرة.
 واكدت بيانات رسمية ان 250 حالة اعتداء سجلت على الغابات والثروة الحرجية. وفي تقديري ان العدد الحقيقي، الذي لم يسجل، يتضاعف مرات عديدة، علاوة على ان المحاكم ومكاتب الحكام الاداريين تضج بمئات القضايا ذات الصلة بالاعتداء على الاشجار.
والحالة هذه، فإن حراسة ما تبقى لدينا من ثروة حرجية يستوجب مغادرة مربع الاستسهال والتعامل البيروقراطي الكسول مع هكذا تهديد، فمن الواضح ان أزمة الطاقة وارتفاع أسعار المحروقات مستمرة وستستمر في مواجهتها كل الجرائم التي يقوم مرتكبوها بحرق الغابات وتعريض المناطق الزراعية للانتهاك، ناهيك أيضاً عن بورصة أسعار الحطب التي تشهد تقلبات كبيرة بين موسم شتوي وآخر اضافة الى اسواق سوداء وعمليات تحايل ولصوصية، وكلها سلوكيات تتغذى على نقص امدادات الطاقة وحاجة المستهلكين الى الدفء وتلبية متطلبات الفصل الاكثر قسوة على جيوب الأردنيين. جرائم الاعتداء على الطبيعة والثروة الحرجية متشعبة وتؤثر بشكل مباشر في الواقع الاقتصادي الذي يخضع لإرادة مرتكبي هذه الجرائم، وكل هذا يدفعنا جميعا الى التكاتف من اجل وضع حد لمشهد متدحرج يتطور من حولنا ولا نفعل الكثير في مواجهته حتى اللحظة.

 

حسن احمد الشوبكي


المراجع

ammanxchange.com

التصانيف

صحافة  حسن احمد الشوبكي   العلوم الاجتماعية   الآداب