لم يطرح أمر للنقاش على مدار العامين الماضيين، وعلى كافة المستويات، كما حصل بشأن "الربيع العربي". وقد انقسمت الآراء بين مبشر ومحذر. وفي المحصلة، نجدنا أمام تفسير مقنع ومنطقي لأسباب الربيع العربي على تنوع مصادرها وقوة تأثيرها، بيد أننا ما نزال بعيدين حتى على المستوى التحليلي، عن التنبؤ بمآلات ثورات التحرر العربي بشكل دقيق. وما نعرفه لا يتجاوز حدود التنبؤ الواسع، بأن الدول والمجتمعات العربية "ستتغير" سياسيا بشكل جوهري ملموس، وإن كانت ستتباين من حيث قدرتها على الانتهاء إلى درجة مقبولة ومعرّفة بدقة، إصلاحيا وديمقراطيا.
ما نعرفه بدقة أكبر أن ثورات الربيع العربي ليست كتلك القومية في الخمسينيات والستينيات، ولا هي مشابهة للتمدد الإسلامي الشعبي السياسي الذي اجتاح الوطن العربي وما يزال؛ هي ثورات تطالب بالإصلاح الحقيقي الملموس والمستدام، والقابل للتطور، تماما كما يحدث مع باقي مجتمعات الدول العريقة والمتقدمة.
المجتمعات العربية قد لا تمتلك الخبرة، ولا المكونات الأساسية، لإنجاح تجربة التحول الديمقراطي بشكل مثالي، وليس أخلاقيا أن نتوقع منها ذلك. لكن هذه المجتمعات تتعلم يوميا، وعلى نحو متسارع، كيف تلج الديمقراطية والإصلاح. وهي تطور وعيا جمعيا عن مخاوف اللااستقرار، وتقترب يوميا ايضا من البراغماتية السياسية، وتبتعد عن الثورية الجوفاء التي لا تطعم الشعوب ولا ترتقي بها.
نرى تونس الإسلامية تقترب من البراغماتية السياسية، وتقبل خصوصية علاقتها مع فرنسا، وأهمية هذه العلاقة لتونس الدولة لا القيادة فحسب؛ فثورة تونس إذن لم تكن إلا على الطاغية الذي استبد وفسد. ونرى مصر المحكومة من الإسلاميين تلتزم، إلى حدود بعيدة، بنهج سياسي دولي متزن، وتتعلم شيئا فشيئا أن الإسلام السياسي المصري ليس إلا جزءا من المشهد السياسي الكلي الذي لن تقبل قواه الأخرى دكتاتورا دينيا بدل العلماني.
كذلك، فإن المعارضة السورية تتطور، وتدرك خطورة أسلمة ثورتها لأجل الحرية والكرامة، وأن يتسلل إليها التطرف والعنف. وقد بدأت هذه الثورة تبدي مرونة سياسية وبراغماتية تتجاوز المربع الأيديولوجي، كما تدرك أهمية "العدالة الانتقالية" التي تقبل الصفح عن المعتدي والمستبد، لأجل أهداف أعلى وأسمى. وفي ليبيا، تتعلم القوى السياسية، والنخب، والمواطنون، كيفية بناء دولتهم المدنية، وأن لا تنجرف ثورتهم نحو العنف والتطرف. وكذا الحال في اليمن.
ثورات الربيع العربي بالتزامن، كشفت كثيرا من الأقنعة الإقليمية؛ فلا الممانعة مقاومة للاحتلال والتسلط الغربي، ولا إيران تريد العدالة للأقليات الشيعية، وما كل هذا وذاك إلا لأهداف سياسية بعيدة كل البعد عن العدالة والاستقلال للشعوب العربية، التي يتنامى وعيها السياسي وإدراكها لحقائق الأشياء، بسبب ما فتحته ثورات التحرر العربي من نقاشات ومداولات سياسية صريحة، وبلا سقوف.
من الحكمة التحلي بدرجة عالية من التواضع قبل التنبؤ بمستقبل الربيع العربي. ومن الإنصاف وصف هذا الربيع بثورة الحرية والكرامة، رغم كل المشاهدات المقلقة المصاحبة له. والثابت الذي يمكن الحديث عنه بشيء من الثقة، هو أن الربيع العربي إن تجنب الانزلاق إلى الفوضى، وهذا متوقع، فسيكون قد وضع الإقليم وشعوبه على طريق النماء والنضج السياسي الحقيقيين، ولننضم بذلك إلى سائر شعوب الأرض على صعيد التمتع بحكم رشيد عادل، يحفز الشعوب ويستوعب طاقاتها الكامنة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د. محمد حسين جريدة الغد