قدم حزب الله نموذجاً لتنظيم سياسي وعسكري غير مسبوق في تنظيمه وانضباطه وحضوره، فلم تعهده تجارب الساحة العربية من قبل. وتمكن بفضل ذلك من أداء دور نضالي فريد في مقارعة إسرائيل والنيل من هيبة مؤسستها العسكرية، وكنس احتلالها لجنوب لبنان. ومثّل بذلك رمزاً للمقاومة التي تاقت إليها ملايين العرب على امتداد وجودها من المحيط إلى الخليج.
حظي حزب الله بما لم يحظ به أي نظام أو حزب عربي بعد التجربة الناصرية من تعاطف وتأييد على امتداد الوطن العربي. لكن المدقق في مواقف الحزب بعد أن دان العراق لغلبة النفوذ الإيراني، يلحظ للأسف أنه قد بدأ شيئاً فشيئاً يفقد ما تميز به من اتزان في الموقف ورصانة في الخطاب، غير آبه بما يفقده جراء ذلك من رصيده ورمزيته الجامعة، وبما يتسبب به من ضرر على ما بين يديه مما يوحد الأمة من أمجاد المقاومة وانتصاراتها.
غير أن أبرز ما اعترى مواقف الحزب مؤخراً ظهوره مكشوفاً وغير محصن بما يكفي أمام مفاجآت ثورات الشارع العربي، فلم يكن متحوطاً لمستقبل موقفه منها. ففي حين ظهر متحمساً ومؤيداً لها جميعاً ثورة تلو ثورة، كبا أيّما كبوة أمام ثورة الشعب السوري التي لم تكن على ما يبدو واردة في حساباته، فوقف ضدها منتصراً لموقف النظام! وكم سيكون صادماً إذا ما ثبت ما أشيع عن مشاركته في قمع الثورة، أو مد النظام بالسلاح والذخائر من أجل قمعها.
كأنه لا يكفي الحزب وأنصار النظام أن يحكم الأسد الأب سورية لثلاثين سنة، ثم يكملها الابن من بعده إلى ما يزيد على الأربعين. فهل يرغب الحزب والأنصار في أربعين سنة أخرى من الحكم للأسد الحفيد؟ إنه اصطفاف غير مبرر للحزب إلى جانب الممانعين الذين لا يتوانون عن الإقرار بدكتاتورية النظام السوري وفساده مثل أغلب الأنظمة العربية، ويزيدون على ذلك الإقرار بطائفيته وعائليته، لكنهم مع ذلك يستنكرون على الشعب السوري ثورته، تأييداً لممانعة في النظام يرونها في مخيلاتهم.
ليس في الذاكرة من ماضي الممانعة غير ذكريات حماة، ومخيم تل الزعتر، وإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان، واغتيال كمال جنبلاط، والانضمام إلى تحالف حفر الباطن، والصمت المطبق على جبهة الجولان، والإعلان عن السلام خياراً استراتيجياً للنظام. ولا نرى منها اليوم غير جيش يبلي في قتل شعبه، بينما يختبئ عند تحليق الطائرات الإسرائيلية فوق مراكز سورية حساسة، وقصفها لأخرى في العمق السوري، خلف تصريحات وزارة الخارجية عن الاحتفاظ بحق الرد الذي لن يأتي.
أي كسب للعرب كان سيجنيه الحزب لو أنه انحاز إلى جانب الشعب السوري، وأي مجد كان سيناله لو لم يفقد بصيرته أمام ثورته، وظل على نفس ما كان عليه موقفه مع شعوب تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين. كم كان يثري مقامه لو أنه اعترف بأحقية مطالب وتطلعات الشعب السوري، وأعلن أن ما بينها وبين النظام قابل للإصلاح، ودعا إلى حوار بينهما، كان سيصبح عرابه. لكنه بدلاً من ذلك اختار لموقفه شبهة الانحياز للمحافظة على امتيازات الطائفة في سورية.
معظم من وقفوا إلى جانب الحزب في مقاومته، ورأوا فيه تجربة كفاحية بحجم حلم الأمة، يأسفون اليوم لتخاذله عن دور تهيأ له في مرحلة فارقة، مفوتاً على نفسه فرصة للسمو فوق التناقضات، وتخييب آمال كل الذين راهنوا على انحيازاته. فيختار الانتصار للنظام السوري، ما يجعلنا نخشى أن ينساق الحزب إلى خيار النظام لتقسيم سورية على أسس طائفية، إن هو فشل في قمع الثورة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د. عاكف الزعبي   جريدة الغد