إهداء إلى روح الطفل مجهول الاسم، والذي قضى جرّاء حريق في محل غيار للسيارات، في بيادر وادي السير الخميس الماضي.
بحسبة بسيطة، ستعرفون أن وجبة مجدرة بالعدس، لأسرة مكوّنة من ستة أفراد صار ثمنها أربعة دنانير وثمانين قرشا من دون لبن وسلطة!! فإذا افترضنا أنهم سيتناولون وجبة واحدة في اليوم، ولمّدة شهر كامل فإن الحسبة (البسيطة) ستصبح مائة وخمسين ديناراً، بالتمام والكمال لو أضفنا لها ربطة خبز!!
الأسماء في هذه القصة ليست واقعية، لكن الأحداث مضمّخة بمرارة الواقع.. فعمّار اسم عادي لولد أقل من عادي، يقاوم يومياً شغفه بالبقاء مستدفئاً ولو لدقائق في حضن إخوته الصغار، حتى قبل أن يقرأ الفجر بيانه الأول.. يقوم مرّة واحدة ويشد الغطاء عليهم، ويطلق لنظره عنان الاطمئنان على حقائب مدارسهم المستندة على جدار المطبخ .. فيما أمه تغلي له كأس الشاي وتضع بها أربع ملاعق سكر، لن تحلّي جوفه بقدر ما ستدفئ قلبه .. في هذا اليوم يموت عمّار محترقا!!
اليوم الأول للعزاء سيشبه أي أوّل يوم للعزاء .. فراغ وصمت وبكاء متقطّع، وباب مشرع للداخلين والخارجين، وإجازة للأولاد كي تتسنّى لهم الفرصة أن يحزنوا...
أمّا في اليوم الثاني فسيقص الأطفال حكايات خرافية عن أخيهم الذي يزورهم ويكلّمهم .. بينما الوالد جالس على قارعة الطريق ينفث دخانه في وجه الصحافية، التي ستأتي لتستجوب معلوماته عن اتفاقيات اليونيسف، واستطلاعات "الهيومن رايتس ووتش"، حول قضية عمالة الأطفال، وتحمّله وزر تسويد وجه البلد أمام المراقبين الدوليين.. وحتى لا يبدو جاهلاً أمام (الكلام الكبير)، سيصرخ في وجهها أن عمّار لم يكن يعمل ليبتاع بوط رياضة جديداً، أو كرْت الجزيرة المشفرّة أو طعاماً للقطط.. وفي الخلفية سيصدح صوت أم عمّار، وهي تغضب على زوجها الذي اكتفى بدنانير صندوق المعونة، متحججاً بالسكّر الذي التهم ساقه!!
في اليوم الثالث، ستتحرك الجاهة الهزيلة إلى منزل الفقيد، وستقدّم ظرفاً يحتوي ألف دينار، يضعها صاحب الورشة بيد الأب، الذي سيصدّقه حين يدق على صدره واعداً بتحمّل المسؤولية كافة، التي كانت على ظهر عمّار "رحمة الله عليه".. وبعد دقائق سيتغيّر شكل الجلسة ويتحوّل الحوار إلى ندوة لقراءة التحقيق، الذي نشر في صحيفة اليوم، حيث صورة أبو عمّار وهو ينفث دخانه بوجه الصحافية المستفزّة.. وسيبتسم الجميع!!
ثم سيكملون قراءة أخبار اليوم، التي تبشّرهم بارتفاع أسعار السكر إلى خمسة وسبعين قرشا للكيلو، وبأن نسبة غلاء أسعار الزيوت، تتراوح ما بين عشرين إلى خمسة وعشرين بالمائة.. وخبر جميل آخر حول توّقف صندوق المعونة الوطنية، عن دفع رواتب أكثر من أربعة آلاف فقير.. وهناك في الزاوية، عامود لكاتب مشهور سيلحّ على الدولة، بضرورة التدخل السريع لإنهاء فضيحة عمالة الأطفال في الأردن.. انتهت الأيام الثلاثة!!
بعد انقضاء العزاء بيوم واحد، سينسلّ نضال من تحت غطائه ويشدّه على من تبقى من إخوته .. لن ينظر إلى حقيبة المدرسة التي ستظل مرميّة على الجدار .. سيرتدي قميصاً متسخاً فوق كنزته الثقيلة، فيما والدته ستحرّك ملعقة واحدة في كأس شاي صغيرها، الذي جاء دوره ليكبر.. وستقرر لو أن سعره يعود لنصف دينار فإنها سترضى أن يرش على موتهم .. سكّرا.. وشكراً.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد حنان كامل الشيخ الآداب